الرئيسية تقارير مواضيعيةعودة تحت التهديد: انتهاكات بحق العائدين إلى رأس العين/سري كانيه

عودة تحت التهديد: انتهاكات بحق العائدين إلى رأس العين/سري كانيه

توثيق مغادرة 50 عائلة للمدينة في أعقاب الانتهاكات وفي ظل فجوات الحماية وسيادة القانون

بواسطة editor
13 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

الملخص التنفيذي:

يوثق هذا التقرير الانتهاكات والمخاطر الأمنية التي رافقت قافلة العودة الأولى للمهجّرين/ات إلى رأس العين/سري كانيه في 10 آب/أغسطس 2026، بعد نحو  سبع سنوات من التهجير القسري. وتشير الوقائع التي وثقتها رابطة تآزر للضحايا وتحققت منها إلى أن القافلة جرت في ظروف لم تتوافر فيها ضمانات كافية لحماية العائدين/ات وضمان قدرتهم على البقاء بأمان، مع استمرار فجوات في الحماية وسيادة القانون والوصول إلى سبل الانتصاف.

جاءت القافلة في سياق تنفيذ بنود اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، وضمت نحو 410 عائلات، بينها أقل من 40 عائلة كُردية. وكانت غالبية العائلات العائدة من سكان المناطق الريفية المحيطة برأس العين/سري كانيه، فيما كانت نحو 50 عائلة متجهة إلى المدينة. وتكتسب هذه التركيبة أهمية في قراءة الوقائع التي يوثقها التقرير، إذ تركزت الاعتداءات التي وثقتها الرابطة داخل المدينة، وطالت في معظمها العائدين/ات الكُرد.

وثقت رابطة تآزر للضحايا 23 حالة اعتداء طالت مدنيين/ات عائدين/ات، بينهم مسنّان وامرأتان وطفل، وشملت الضرب والاعتداء الجسدي، وتحطيم المركبات والممتلكات، وإطلاق النار، والتهديد والترهيب، إضافةً إلى أضرار لحقت بتسع مركبات. واستند التوثيق إلى 12 شهادة مباشرة من أفراد عائلات عائدة وشهود، وتحليل 13 مقطع فيديو وأكثر من 10 صور، إلى جانب معلومات من المصادر المفتوحة وتصريحات الجهات المعنية. وقيّمت الرابطة كل واقعة استناداً إلى الأدلة المتاحة، مع التمييز بين الوقائع التي أمكن التحقق منها والمعلومات التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من التثبت.

وفي اليوم نفسه، قالت قيادة الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، في تصريح للإخبارية السورية، إن قواتها تدخلت في رأس العين/سري كانيه لفضّ ما وصفته بأنه «مشاجرة» مرتبطة بعودة عائلات مهجّرة إلى منازلها «دون تنسيق مسبق»، وما أعقب ذلك من خلاف مع القاطنين فيها. لا تتوافق هذه الرواية مع المعلومات التي تمكنت الرابطة من توثيقها، والتي تظهر أن مجموعة مسلحة قُدّر عدد أفرادها بأكثر من 30 شخصاً، وفق إفادات الشهود، تحركت في شوارع المدينة على متن دراجات نارية وبحوزتها أسلحة، وهاجمت عائدين/ات ومركبات مرتبطة بالعودة في مواقع متعددة. وأفاد شهود بأن أفراد المجموعة كانوا يبحثون عن عائدين كُرد ومركبات تحمل لوحات تسجيل غير مألوفة. كما تضمنت بعض الوقائع مؤشرات على استهداف أشخاص على أساس هويتهم أو انتمائهم السياسي المفترض، بما في ذلك تهديدات موجهة إلى الكُرد. وتواصل الرابطة التحقق من تسلسل الأحداث، طبيعة كل واقعة ودوافعها.

وطالت معظم الاعتداءات الموثقة عائدين/ات كُرد، وفي حالتين منها شملت الاعتداءات أيضاً أشخاصاً عرباً كانوا برفقة عائلات كُردية. ومن خلال التواصل المباشر مع العائلات، تحققت رابطة تآزر للضحايا من مغادرة نحو 50 عائلة وصلت إلى رأس العين/سري كانيه ضمن القافلة الأولى. وأفادت 42 عائلة بأن الخوف كان سبباً في مغادرتها نتيجة الانتهاكات والمخاطر التي تعرضت لها أو شهدتها، من بينها 12 عائلة تعرض أفراد منها بصورة مباشرة لاعتداءات.

وتظهر مقارنة هذه الوقائع مع نتائج تقييم سابق أجرته رابطة تآزر وشمل 607 من المهجّرين/ات قسراً من رأس العين/سري كانيه وتل أبيض/گري سپي أن المخاوف الأمنية التي عبّر عنها المهجّرون/ات قبل العودة ظلت حاضرة مع بدء القافلة. فقد اعتبر 79.2% استقرار الوضع الأمني شرطاً أساسياً للعودة، واعتبر 68.9% حماية الحقوق وجبر الضرر أولوية، فيما أكد 53.7% أهمية وجود آلية مستقلة لمتابعة عملية العودة وحماية حقوق السكان.

وتكشف تجربة القافلة الأولى، في ضوء الوقائع الموثقة، عن مشكلة أوسع تتعلق بمدى توافر سيادة القانون والحماية الفعلية داخل رأس العين/سري كانيه. فعودة السكان واستقرارهم يتطلبان مؤسسات قادرة على حماية المدنيين، وضبط انتشار السلاح واستخدامه خارج الأطر القانونية، والاستجابة السريعة للحوادث، والتحقيق فيها بصورة مستقلة وفعالة، ومساءلة المسؤولين عنها، وتمكين الضحايا من تقديم الشكاوى والحصول على سبل الانتصاف.

وبناءً على ذلك، ترى رابطة تآزر أن أي مراحل لاحقة للعودة ينبغي أن تسبقها ضمانات قابلة للتحقق تتعلق بالحماية والأمن وسيادة القانون، ومنع التهديد والتمييز والانتقام، وحماية حقوق السكن والأرض والملكية، مع وجود رصد مستقل وآليات فعالة للتحقيق والمساءلة والانتصاف، وعليه توصي بعدم تنظيم أو دعم عمليات عودة جماعية جديدة قبل التحقق من توافر هذه الضمانات.

كما تدعو الرابطة إلى إنشاء آلية مستقلة ومستدامة لمتابعة أوضاع العائدين/ات وتلقي الشكاوى والتحقق من الانتهاكات، وضمان مشاركة المهجّرين/ات وروابط الضحايا في تصميم سياسات العودة ومتابعتها وتقييمها.

 

1. المقدمة والسياق:

بعد نحو سبع سنوات من التهجير القسري من رأس العين/سري كانيه، بدأت في 10 آب/أغسطس 2026 أولى عمليات عودة المهجّرين/ات إلى المدينة منذ عام 2019. واكتسبت العودة أهمية خاصة للعائلات المهجّرة، لارتباطها باستعادة المنازل والحياة الأسرية والروابط الاجتماعية والصلة بالمكان الذي انقطعت عنه نتيجة التهجير.

جاءت هذه العودة في سياق تنفيذ بنود اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، وطرحت أسئلة بشأن الظروف التي ينبغي أن ترافق عملية العودة، بما في ذلك الأمن والحماية، واستعادة الحقوق، وقدرة العائدين/ات على البقاء في مناطقهم/ن الأصلية في ظروف آمنة ومستقرة.

وقبل بدء العودة، أجرت رابطة تآزر للضحايا تقييماً لاحتياجات وأولويات المهجّرين/ات قسراً من رأس العين/سري كانيه وتل أبيض/گري سپي، استند إلى 607 استبيانات، وتناول العوامل التي تؤثر في قرار العودة، بما فيها الأمن والحماية، وحماية الحقوق وجبر الضرر، والسكن والأراضي والممتلكات، ووجود آلية مستقلة لمتابعة عملية العودة. وأظهرت النتائج أن قرار العودة يرتبط بمجموعة من الشروط والضمانات التي تتجاوز مجرد الوصول إلى المنطقة، وتشمل القدرة على البقاء فيها بأمان، واستعادة الحقوق، وممارسة الحياة بصورة مستقرة.

ومع وصول القافلة إلى رأس العين/سري كانيه، تلقت الرابطة إفادات ومعلومات بشأن اعتداءات تعرض لها عدد من العائدين/ات داخل المدينة، وبدأت بجمعها والتحقق منها وتوثيقها، إلى جانب مراجعة المواد المصورة ومعلومات المصادر المفتوحة وتصريحات الجهات المعنية.

وتثير هذه الوقائع أسئلة بشأن قدرة العائدين/ات على البقاء بأمان وممارسة حقوقهم/ن بعد الوصول، والحصول على الحماية عند تعرضهم للتهديد أو الانتهاك. كما تثير أسئلة بشأن فعالية مؤسسات الحماية وإنفاذ القانون، وقدرتها على منع الانتهاكات والاستجابة لها، والتحقيق فيها، ومساءلة المسؤولين عنها، وضمان سبل الانتصاف للضحايا.

ويأتي هذا التقرير في هذا السياق، ويوثق الوقائع المرتبطة بالقافلة الأولى التي تمكنت الرابطة من جمع معلومات كافية بشأنها والتحقق منها، ويبحث في أثرها على العائدين/ات، ولا سيما العائلات التي غادرت المدينة مجدداً، وفي مدى توافر الضمانات اللازمة لعودة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة، مع التركيز على الحماية وسيادة القانون.

 

2. منهجية التوثيق ومصادر المعلومات:

اعتمدت رابطة تآزر للضحايا في إعداد هذا التقرير على التوثيق المباشر ورصد وتحليل المصادر المفتوحة، بهدف توثيق الوقائع المرتبطة بقافلة العودة الأولى إلى رأس العين/سري كانيه، والتحقق منها، وتقييم أثرها على العائدين/ات.

وشملت عملية التوثيق جمع 12 إفادة مباشرة من عائدين/ات وأفراد أسرهم/ن وشهود على الوقائع محل المتابعة، ورصد وتحليل 13 مقطع فيديو وأكثر من 10 صور، ومراجعة معلومات المصادر المفتوحة والتصريحات والبيانات الصادرة عن الجهات المعنية بالأحداث، ومقارنة المعلومات الواردة من مصادر متعددة كلما أمكن ذلك.

وقيّمت الرابطة كل واقعة وفق الأدلة المتاحة، مع التمييز بين الوقائع التي دعمتها إفادات أو مصادر متعددة، والمعلومات التي تحتاج إلى مزيد من التحقق. ولا تنسب الرابطة تنفيذ أي واقعة أو مسؤولية عنها إلى جهة محددة إلا بالقدر الذي تسمح به الأدلة، مع مراعاة السياق الزمني والمكاني ومقارنة المعلومات، حيثما أمكن، بمصادر مستقلة.

وراعت عملية التوثيق حماية الضحايا والشهود وسلامتهم/ن وخصوصيتهم/ن، وحُفظت المواد ذات الصلة وفق إجراءات التوثيق المعتمدة لدى الرابطة.

 

3. قافلة العودة الأولى: ماذا حدث؟

في 10 آب/أغسطس 2026، دخلت أولى قوافل مهجّري/ات رأس العين/سري كانيه إلى المدينة، في إطار عملية العودة الأولى إلى المنطقة منذ التهجير القسري عام 2019.

انطلاق قافلة العودة من مدينة الحسكة باتجاه رأس العين/سري كانيه، في 10 آب/أغسطس 2026. تصوير: يوسف برو.

 

بعد وصول القافلة، تلقت رابطة تآزر للضحايا إفادات ومعلومات بشأن اعتداءات تعرض لها عدد من العائدين/ات. وتضمنت الإفادات وقائع شملت الضرب والاعتداء الجسدي، وتحطيم مركبات، وإطلاق النار، والتهديد والترهيب. ووقعت بعض هذه الحوادث أثناء وجود العائلات داخل مركباتها، فيما وقعت أخرى أثناء محاولتهم/ن مغادرة المدينة.

وتوافقت بعض عناصر الإفادات مع مواد مصورة رصدتها الرابطة وحللتها، أظهرت اعتداءات على مدنيين/ات عائدين/ات، وأضراراً لحقت بمركبات مرتبطة بالعودة، وتحركات لمجموعات مسلحة تستقل دراجات نارية، إلى جانب سماع إطلاق نار أثناء بعض الوقائع.

وفي اليوم نفسه، قالت قيادة الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، إن قواتها تدخلت في رأس العين/سري كانيه لفضّ «مشاجرة» مرتبطة بعودة عائلات مهجّرة إلى منازلها «دون تنسيق مسبق»، وما أعقب ذلك من خلاف مع القاطنين فيها. يختلف هذا التوصيف عن الوقائع التي تمكنت الرابطة من توثيقها، إذ تشير الإفادات والمواد التي راجعتها الرابطة إلى تحرك مجموعة مسلحة في شوارع المدينة، وقيام أفرادها بالاعتداء على العائدين/ات ومهاجمة مركبات مرتبطة بالعودة في مواقع متعددة، بما في ذلك مواقع بعيدة عن منازل العائدين/ات. وتواصل الرابطة التحقق من تسلسل الأحداث، وطبيعة كل واقعة، وهوية المشاركين فيها.

وتشير بعض الشهادات إلى أن غالبية أفراد المجموعة المسلحة لم يكونوا من السكان الأصليين لرأس العين/سري كانيه، وأن بعضهم يقيم في منازل تعود ملكيتها إلى السكان الأصليين المهجّرين. وتتعامل الرابطة مع هذه المعلومات باعتبارها إفادات تحتاج إلى مزيد من التحقق المتقاطع، ولا تعتبرها أساساً كافياً لإثبات هوية أفراد المجموعة أو وضعهم القانوني أو مسؤوليتهم عن الممتلكات محل الإقامة.

وأظهرت المتابعة اللاحقة أن نحو 50 عائلة وصلت إلى رأس العين/سري كانيه ضمن القافلة الأولى ثم غادرت المدينة مجدداً. وتمكنت الرابطة من التواصل مع هذه العائلات والتحقق من مغادرتها. وفي بعض الحالات، اضطر العائدون/ات إلى الاحتماء لدى أقارب أو مدنيين آخرين بعد تعرضهم/ن أو مشاهدتهم لأعمال عنف، فيما طلب آخرون/أخريات مرافقة أمنية أثناء مغادرة المدينة. وأفادت 42 عائلة بأن الخوف كان سبباً في مغادرتها نتيجة الانتهاكات والمخاطر التي تعرضت لها أو شهدتها، وتمكنت الرابطة من ربط مغادرة 12 عائلة بصورة مباشرة باعتداءات تعرض لها أفراد منها.

 

4. أنماط الانتهاكات الموثقة:

تكشف الإفادات التي تحققت منها رابطة تآزر للضحايا والمواد المصورة التي رصدتها وحللتها عن عدة أنماط من الاعتداءات التي طالت مدنيين/ات عائدين/ات إلى رأس العين/سري كانيه. وشملت الوقائع الموثقة الضرب والاعتداء الجسدي، وتحطيم المركبات والممتلكات، والتهديد والترهيب وإطلاق النار، إلى جانب مؤشرات على استهداف بعض العائدين/ات على أساس الهوية أو الانتماء السياسي المفترض. ووقعت هذه الاعتداءات في أكثر من موقع وفي سياقات مختلفة أثناء وجود العائدين/ات في المدينة أو أثناء تنقلهم/ن ومغادرتهم/ن لها.

4.1. الاعتداء الجسدي والعنف ضد المدنيين:

وثقت الرابطة إفادات عن تعرض عدد من العائدين/ات للضرب والاعتداء الجسدي على يد أفراد مسلحين، باستخدام الأيدي والعصي وأعقاب البنادق، إلى جانب الإهانات والتهديد. وشملت الوقائع أشخاصاً كانوا داخل مركباتهم/ن أو في طريقهم/ن إلى خارج المدينة.

في إحدى الحالات، أفاد أحد أفراد عائلة دخلت المدينة ضمن القافلة الأولى بأن مجموعة من الشبان الملثمين والمسلحين أوقفت السيارة التي كان يستقلها مع عائلته، واعتدت على عدد من الأشخاص، ثم حطمت زجاج المركبة بينما كانت الأسرة بداخلها. وقال إن الحادث أدى إلى إصابة طفلة تبلغ من العمر عشر سنوات ووالدتها. وغادرت العائلة المدينة في اليوم التالي وعادت إلى الحسكة.

وفي حادثة أخرى، أفاد أحد سائقي المركبات المشاركة في القافلة بأنه تعرض للضرب بعد أن أوصل عائلة إلى رأس العين/سري كانيه وبدأ بمغادرة المدينة. ووفق إفادته، أوقفته مجموعة مسلحة كانت تستقل نحو 20 دراجة نارية وتحمل بنادق ومسدسات وعصياً، واعتدت عليه بالضرب وحطمت زجاج مركبته. وتمكن من مغادرة المكان بمساعدة أحد الموجودين.

كما أفاد عائد آخر بأنه شاهد مجموعة من الشبان الملثمين على دراجات نارية تهاجم عائلة عائدة، وتكسر مركبتها وتطلق النار على عجلاتها، قبل أن يحاول أفراد المجموعة التهجم عليه وشتمه. وقال إن ذلك دفعه إلى الاحتماء لدى أقاربه قبل مغادرة المدينة مع عائلته.

وتتوافق بعض عناصر هذه الإفادات مع مواد مصورة رصدتها الرابطة وحللتها، وأظهرت اعتداءات جسدية على مدنيين عائدين/ات إلى رأس العين/سري كانيه.

لقطات من مواد مصورة توثق اعتداءات جسدية على عائدين/ات خلال قافلة العودة الأولى إلى رأس العين/سري كانيه، في 10 آب/أغسطس 2026. حُسّنت جودة اللقطات باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، دون تغيير مضمونها.

 

4.2. استهداف المركبات والممتلكات:

وثقت الرابطة أضراراً لحقت بتسع مركبات مرتبطة بالعودة، شملت تحطيم الزجاج، وإطلاق النار على العجلات، ومحاولات إتلاف المركبات أو إحراقها.

في إحدى الحالات، أفاد أحد العائدين بأن مجموعة من الأشخاص الملثمين والمسلحين، كانوا يستقلون دراجات نارية، حطمت زجاج مركبته، وهي سيارة شحن صغيرة من طراز ميتسوبيشي، وأطلقت النار على عجلاتها الخلفية، ثم حاولت إحراقها. وقال إن الأهالي والجيران تدخلوا ومنعوا إحراق المركبة، وإنه غادر المدينة بعد الحادثة.

وفي واقعة أخرى، أفاد أحد سائقي المركبات المشاركة في القافلة بأن المجموعة التي اعتدت عليه حطمت زجاج مركبته أثناء مغادرته المدينة. وقال إنه عند وصوله إلى حاجز الأمن العام في مدخل بلدة تل حلف شاهد مركبة أخرى كان بداخلها شخصان، وأفاد بأنهما تعرضا كذلك للاعتداء.

وتتوافق هذه الإفادات مع مواد مصورة أظهرت أضراراً لحقت بمركبات مرتبطة بالعودة وتحركات مجموعات مسلحة تستقل دراجات نارية. كما تلقت الرابطة معلومات بشأن إتلاف أو فقدان بعض الممتلكات الشخصية. وتواصل التحقق من هذه المعلومات قبل تصنيفها كوقائع مثبتة.

صور ولقطات من مواد مصورة تُظهر استهداف مركبات مرتبطة بقافلة العودة الأولى إلى رأس العين/سري كانيه، وتوثق الأضرار التي لحقت بها في 10 آب/أغسطس 2026.

 

4.3. التهديد والترهيب ومؤشرات الاستهداف على أساس الهوية:

تضمنت الإفادات والمواد التي راجعتها الرابطة وقائع تهديد وترهيب وإطلاق نار رافقت عودة المهجّرين/ات إلى رأس العين/سري كانيه. وأظهرت بعض المواد تحركات لمجموعات مسلحة على متن دراجات نارية بالتزامن مع إطلاق نار وصدور تهديدات مرتبطة بعودة السكان الأصليين.

وفي إحدى المواد المصورة المؤرخة في 10 آب/أغسطس 2026، تظهر مجموعة تضم أكثر من 30 شخصاً، بينهم مسلحون، تتحرك على متن دراجات نارية في شوارع رأس العين/سري كانيه. ويُسمع في التسجيل شخص من المجموعة يقول: «ممنوع واحد كُردي أو قسدي يرجع على رأس العين».

كما رصدت الرابطة مادة مصورة لوقفة احتجاجية في رأس العين/سري كانيه، تحدث خلالها أحد المشاركين، وقدّم ما يقوله بوصفه رسالة من «الثوار في رأس العين» بشأن عودة سكان من مناطق أخرى في محافظة الحسكة إلى مناطقهم الأصلية، ثم قال في إشارة إلى عودة الكُرد إلى رأس العين/سري كانيه: «ما نقبل يرجع كُردي على رأس العين، إلا أهل الحسكة يرجعون، أهل غويران يرجعون، وكل شي مهجّر يرجع لبيتو، إحنا ما نقبل ولا نرضى، وكل شي كُردي برأس العين رح نمشيه، هذا كلام وعد شرف منا».

وتضمنت الإفادات التي جمعتها الرابطة أيضاً وقائع إطلاق نار وتهديد وترهيب رافقت بعض الاعتداءات على العائدين/ات ومركباتهم/ن، بما في ذلك إطلاق النار على عجلات مركبات ومحاولات التهجم والتهديد على أشخاص كانوا في محيط تلك الوقائع.

وتشير هذه المواد والوقائع، مجتمعةً، إلى مؤشرات على خطاب علني يدعو إلى منع عودة الكُرد وإخراج المقيمين/ات الكُرد من رأس العين/سري كانيه، وتثير بعض الوقائع مخاوف من احتمال استهداف أشخاص بسبب هويتهم الكُردية أو انتمائهم السياسي المفترض. وتواصل الرابطة التحقق من طبيعة هذه الوقائع ودوافعها والعلاقة بينها.

لقطات من مواد مصورة تُظهر تحركات مجموعات مسلحة ومظاهر التسلح والتهديد المرتبطة بأحداث قافلة العودة الأولى إلى رأس العين/سري كانيه في 10 آب/أغسطس 2026.

 

5. من العودة إلى المغادرة مجدداً: أثر الانتهاكات على قدرة العائلات على البقاء

تحققت رابطة تآزر للضحايا، من خلال التواصل المباشر مع العائلات العائدة إلى رأس العين/سري كانيه، من مغادرة نحو 50 عائلة بعد وصولها إلى المدينة ضمن القافلة الأولى. وأفادت 42 عائلة بأن الخوف كان سبباً في مغادرتها نتيجة الانتهاكات والمخاطر التي تعرضت لها أو شهدتها.

في 12 حالة، تمكنت الرابطة من ربط مغادرة العائلات بصورة مباشرة باعتداءات تعرض لها أفراد منها. ففي إحدى الحالات، غادرت عائلة المدينة في اليوم التالي لاعتداء تعرضت له داخل مركبتها وأدى، وفق إفادتها، إلى إصابة طفلة ووالدتها. وفي حالة أخرى، غادر عائد مع عائلته بعد مشاهدته اعتداءً على عائلة أخرى وتعرضه لمحاولة تهجم. كما غادر سائق شارك في القافلة بعد تعرضه للضرب وتحطيم زجاج مركبته.

وفي بعض الحالات، اضطر عائدون/ات إلى الاحتماء لدى أقارب أو مدنيين آخرين، فيما طلب آخرون/أخريات مرافقة أمنية أثناء مغادرة المدينة. وتظهر هذه الوقائع أن الخوف ارتبط في بعض الحالات بالتعرض المباشر للاعتداء، وفي حالات أخرى بمشاهدة أعمال عنف أو التعرض للتهديد، وما ترتب على ذلك من شعور بعدم الأمان.

وتظهر هذه المعطيات أن الوصول إلى مكان الأصل لا يعني بالضرورة القدرة على الاستقرار فيه. فاستدامة العودة ترتبط بقدرة العائلات على البقاء بأمان، والوصول إلى منازلها وممتلكاتها، وممارسة حياتها اليومية في ظروف توفر الحماية والكرامة.

وتثير مغادرة العائلات بعد وقت قصير من وصولها أسئلة بشأن توافر الضمانات اللازمة لحمايتها، وقدرة مؤسسات الأمن وإنفاذ القانون على منع الاعتداءات والاستجابة لها، وإمكانية وصول الضحايا إلى آليات الشكاوى وسبل الانتصاف. كما تؤكد الحاجة إلى متابعة أوضاع العائلات بعد الوصول، وضمان حقوقها في العودة والسكن والأرض والملكية وسبل الانتصاف.

 

6. الفجوة بين شروط العودة وواقعها:

قبل انطلاق القافلة الأولى، أجرت رابطة تآزر للضحايا تقييماً شمل 607 مهجّرين/ات قسراً من رأس العين/سري كانيه وتل أبيض، بهدف تحديد الشروط التي اعتبروها أساسية لاتخاذ قرار العودة.

 

أظهر التقييم أن قرار العودة لدى المهجّرين/ات يرتبط بتوافر ضمانات عملية تتعلق بالأمن والحماية والحقوق والسكن والممتلكات وآليات المتابعة، إذ اعتبر 79.2% من المشاركين/ات استقرار الوضع الأمني شرطاً أساسياً للعودة، واعتبر 68.9% حماية الحقوق وجبر الضرر أولوية، وأكد 53.7% أهمية وجود آلية مستقلة لمتابعة عملية العودة وحماية حقوق السكان، فيما رأى 48.1% أن استعادة السكن والأراضي والممتلكات شرط أساسي لاتخاذ قرار العودة.

وتظهر الوقائع التي وثقتها الرابطة خلال القافلة الأولى فجوة واضحة بين هذه الشروط والظروف التي واجهها بعض العائدين/ات. فقد شهدت فترة العودة اعتداءات جسدية، وتحطيم مركبات، وإطلاق نار، وتهديدات وترهيب، واضطرت بعض العائلات إلى الاحتماء أو مغادرة المدينة بعد وصولها. كما تمكنت الرابطة من التحقق مغادرة نحو 50 عائلة المدينة، مع توثيق صلة مباشرة بين المغادرة والوقائع التي تعرضت لها بعض الأسر أو شاهدتها.

ويبرز الأمن بصورة خاصة في هذه المقارنة. فقد وضع 79.2% من المشاركين/ات استقرار الوضع الأمني شرطاً أساسياً للعودة، بينما أظهرت الوقائع الموثقة استمرار وجود مخاطر أمنية، شملت الاعتداء الجسدي والتهديد وإطلاق النار واستهداف المركبات، إضافة إلى الاضطرار إلى الاحتماء أو طلب مرافقة أمنية لمغادرة المدينة.

كما تبرز أهمية وجود آلية مستقلة وفعالة للمتابعة، وهو ما اعتبره 53.7% من المشاركين/ات عنصراً مهماً في قرار العودة. فقد كشفت تجربة القافلة الأولى عن حاجة العائدين/ات إلى جهة قادرة على استقبال الشكاوى، والتحقق من الحوادث، والاستجابة للمخاطر، ومتابعة أوضاع الأسر التي تتعرض للتهديد أو تضطر إلى المغادرة. ويشير ذلك إلى أن المتابعة المستقلة ينبغي أن تكون جزءاً من ترتيبات العودة منذ مرحلة الوصول، وأن تستمر بعد ذلك.

وترتبط العودة أيضاً بحماية حقوق السكن والأرض والملكية. فقد اعتبر 48.1% من المشاركين/ات استعادة هذه الحقوق شرطاً أساسياً للعودة. وفي ضوء الوقائع التي وثقتها الرابطة، ينبغي أن يشمل تقييم ظروف العودة قدرة العائلات على الوصول إلى منازلها وممتلكاتها والبقاء فيها بأمان، إلى جانب إمكانية اللجوء إلى آليات قانونية مستقلة للتعامل مع أي اعتداءات أو نزاعات أو انتهاكات لهذه الحقوق.

يوفر التقييم السابق إطاراً مهماً لقراءة تجربة القافلة الأولى، إذ تشير المقارنة بين تقييم المهجّرين/ات قبل العودة والوقائع الموثقة خلال القافلة إلى أن عدداً من المخاطر التي حددها المهجّرون/ات مسبقاً ظل قائماً عند بدء عملية العودة، بما في ذلك المخاطر الأمنية، والحاجة إلى حماية فعالة، وغياب آليات مستقلة للمتابعة والاستجابة.

وبناءً على ذلك، ينبغي أن يستند التخطيط لأي مراحل لاحقة للعودة إلى تقييم دوري للظروف الفعلية داخل المنطقة، وضمانات قابلة للتحقق في مجالات الحماية وسيادة القانون، ومنع التمييز والانتقام، وحماية حقوق السكن والأرض والملكية، والتحقيق والمساءلة، مع مشاركة المهجّرين/ات والضحايا في متابعة العملية وتقييمها.

 

7. الإطار القانوني: مسؤولية حماية العائدين/ات والتحقيق في الانتهاكات

تخضع حماية المدنيين والعائدين/ات في سياقات النزاع والنزوح لمجموعة من الالتزامات بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بحسب السياق القانوني وطبيعة السيطرة الفعلية على المنطقة. وتشمل هذه الالتزامات حماية المدنيين من العنف والتهديد، واتخاذ التدابير المناسبة لمنع الانتهاكات والاستجابة لها، والتحقيق في الوقائع التي تقع، ومساءلة المسؤولين عنها عند توافر الأدلة، وضمان سبل الانتصاف وجبر الضرر للضحايا.

وفي سياق العودة، تكتسب هذه الالتزامات أهمية خاصة، لأن العائدين/ات قد يكونون أكثر عرضة للمخاطر نتيجة التهجير السابق، وضعف قدرتهم/ن على حماية أنفسهم/ن، والنزاعات المتعلقة بالمنازل والأراضي والممتلكات. ولذلك، تتطلب العودة الآمنة والكريمة ترتيبات حماية فعالة منذ لحظة الوصول واستمرارها خلال إقامة العائدين/ات، بما يضمن إمكانية الوصول إلى الحماية القانونية عند تعرض حقوقهم للانتهاك.

7.1. الطوعية والأمان والحماية:

تتطلب العودة الطوعية أن يتمكن الأفراد والأسر من اتخاذ قرار العودة دون إكراه أو تهديد، وأن تتوافر بعد الوصول الظروف التي تمكنهم من الاستمرار في المكان الذي اختاروا العودة إليه. وتؤكد المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي مسؤولية السلطات المختصة عن تهيئة الظروف والوسائل التي تتيح للمهجّرين/ات العودة بصورة طوعية وآمنة وكريمة، وحمايتهم/ن من التمييز أو المعاملة غير المتكافئة بسبب نزوحهم/ن.[1]

وتظهر الوقائع التي وثقتها الرابطة أن بعض العائدين/ات تعرضوا لاعتداءات وتهديدات ومخاطر أمنية دفعتهم إلى الاحتماء أو المغادرة، فيما تمكنت الرابطة من ربط قرار المغادرة في 12 حالة بصورة مباشرة باعتداءات تعرض لها أفراد من العائلات.

وتستدعي هذه الوقائع تقييم التدابير الوقائية التي رافقت القافلة، وقدرة الجهات المختصة على حماية العائدين/ات، والاستجابة السريعة للحوادث، وضمان إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة في الانتهاكات التي تقع.

7.2. عدم التمييز وحماية العائدين/ات:

يُعد عدم التمييز مبدأً أساسياً في حماية حقوق العائدين/ات، ويقتضي تمتعهم/ن بالحماية والمساواة في الوصول إلى حقوقهم/ن دون تمييز على أساس العرق أو الإثنية أو اللغة أو الرأي السياسي أو أي وضع آخر يحميه القانون.[2]

وتتضمن بعض المواد التي رصدتها الرابطة تهديدات وخطاباً علنياً يدعو إلى منع عودة الكُرد وإخراج المقيمين/ات الكُرد من رأس العين/سري كانيه. كما تثير بعض الوقائع مخاوف بشأن احتمال استهداف أشخاص بسبب هويتهم الكُردية أو انتمائهم السياسي المفترض. وتحتاج طبيعة هذه الوقائع ودوافعها والعلاقة بينها إلى مزيد من التحقق. وعند ثبوت استهداف أشخاص على أساس هويتهم أو انتمائهم السياسي، فإن ذلك يتعارض مع متطلبات بيئة العودة الآمنة وغير التمييزية.

7.3. السكن والأرض والممتلكات:

ترتبط العودة بصورة وثيقة بحقوق السكن والأرض والممتلكات، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين تعرضوا للتهجير القسري. وتشير مبادئ بينهيرو بشأن رد المساكن والممتلكات للاجئين/ات والمهجّرين/ات إلى أهمية توفير آليات عادلة ومستقلة وشفافة وغير تمييزية لاسترداد المساكن والأراضي والممتلكات، مع توفير التعويض عندما يتعذر الاسترداد.[3]

وقد أظهر تقييم تآزر السابق أن 48.1% من المشاركين/ات اعتبروا استعادة السكن والأراضي والممتلكات شرطاً أساسياً للعودة. وفي هذا السياق، تحتاج قضايا الملكية والاسترداد والتعويض إلى آليات مستقلة تتيح للعائدين/ات تقديم مطالباتهم/ن والنظر فيها بصورة عادلة وشفافة، مع حماية هذه الحقوق من الاستيلاء أو الانتقاص أو الانتقام.

7.4. سيادة القانون ومسؤولية الحماية والتحقيق والمساءلة:

تثير الوقائع التي يوثقها التقرير سؤالًا أوسع بشأن مدى توافر سيادة القانون في رأس العين/سري كانيه. فحماية العائدين/ات تتطلب مؤسسات قادرة على منع العنف والتهديد، والاستجابة للحوادث، وإنفاذ القانون بصورة متساوية، والتحقيق في الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها، وتمكين الضحايا من الوصول إلى الشكاوى وسبل الانتصاف.

وتكتسب سيادة القانون أهمية خاصة في سياق العودة، لأن قدرة العائلات على الاستقرار تعتمد على إمكان الاعتماد على مؤسسات الحماية والعدالة عندما تتعرض حياتها أو سلامتها أو ممتلكاتها للخطر. ويشمل ذلك ضبط استخدام السلاح خارج الأطر القانونية، ومنع الجماعات المسلحة من ممارسة العنف أو الترهيب ضد المدنيين، وضمان وصول العائدين/ات إلى الجهات المختصة عند تعرضهم للانتهاك.

وأظهرت المعلومات التي وثقتها الرابطة وجود حالات تدخلت فيها جهات أمنية بعد وقوع بعض الاعتداءات، بما في ذلك إسعاف الضحايا وتأمين خروج بعض العائدين/ات من المدينة. وتمثل هذه التدخلات جانباً من الاستجابة التي ينبغي تقييمها إلى جانب التدابير الوقائية التي سبقت الاعتداءات ورافقتها وتلتها. وفي الوقت نفسه، وقعت اعتداءات وتحركات لمجموعات مسلحة وإطلاق نار في مناطق كان المدنيون والعائدون/ات يتحركون فيها، ما يستدعي تقييماً مستقلاً لمدى كفاية التدابير المتخذة لحمايتهم/ن من المخاطر التي كان يمكن توقعها في سياق العودة.

وترتبط مسؤولية الاستجابة كذلك بواجب التحقيق في الانتهاكات التي وقعت. وينبغي أن تكون التحقيقات فعالة ومستقلة ونزيهة، وأن تهدف إلى تحديد ملابسات الوقائع وهوية المسؤولين عنها، مع اتخاذ التدابير اللازمة لحفظ الأدلة وحماية الضحايا والشهود من الانتقام أو المخاطر الإضافية.[4]

7.5. سبل الانتصاف والعودة كعملية مستمرة:

ينبغي أن تتاح للعائدين/ات الذين تعرضوا للاعتداء أو التهديد، أو فقدوا ممتلكات نتيجة هذه الوقائع، إمكانية تقديم الشكاوى والحصول على الحماية والوصول إلى آليات التحقيق والمساءلة وجبر الضرر، وفقاً للظروف والقواعد ذات الصلة. وتشمل سبل الانتصاف، بحسب طبيعة كل حالة، التحقيق والكشف عن الحقيقة والمساءلة ورد الحقوق والتعويض وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، مع حماية الضحايا والشهود والحفاظ على الأدلة.[5]

وتتطلب العودة الآمنة والكريمة ظروفاً تسمح للعائدين/ات بالوصول إلى مناطقهم/ن الأصلية والبقاء فيها وممارسة حياتهم/ن دون التعرض للعنف أو التهديد أو التمييز، مع إمكانية الوصول إلى الحقوق وسبل الانتصاف. ولذلك ينبغي النظر إلى العودة باعتبارها عملية مستمرة تبدأ قبل الوصول وتمتد بعده؛ فالوصول إلى المدينة يمثل مرحلة أولى، بينما يعتمد استمرار العودة على قدرة العائلات على البقاء بأمان، والوصول إلى منازلها وممتلكاتها، والحصول على الحماية عند الحاجة، ومعالجة الانتهاكات التي تتعرض لها.

وبناءً على ذلك، ينبغي أن تستند أي مراحل لاحقة للعودة إلى تقييم مستمر للظروف الأمنية والحقوقية، وأن تترافق مع آليات مستقلة للرصد والحماية وتلقي الشكاوى والتحقيق والمساءلة، مع مشاركة المهجّرين/ات والضحايا وممثليهم/ن في متابعة العملية وتقييمها.

 

8. الاستنتاجات:

تكشف الوقائع التي وثقتها رابطة تآزر للضحايا خلال القافلة الأولى إلى رأس العين/سري كانيه عن عودة جرت في ظل مخاطر أمنية وانتهاكات طالت عدداً من المدنيين/ات العائدين/ات، وأثرت في قدرة بعض العائلات على البقاء في المدينة. وشملت الوقائع الموثقة الاعتداء الجسدي، وتحطيم المركبات والممتلكات، والتهديد والترهيب وإطلاق النار، إلى جانب مؤشرات على خطاب يدعو إلى منع عودة الكُرد وإخراج المقيمين/ات الكُرد، مع استمرار التحقق من بعض جوانب الاستهداف ودوافعه.

وأظهرت المتابعة أن نحو 50 عائلة وصلت ضمن القافلة ثم غادرت المدينة مجدداً، وأن 42 عائلة أفادت بأن الخوق كان سبباً في مغادرتها نتيجة الانتهاكات والمخاطر التي تعرضت لها أو شهدتها، بينها 12 عائلة ربطت مغادرتها بصورة مباشرة باعتداءات تعرض لها أفراد منها. واضطر بعض العائدين/ات إلى الاحتماء لدى أقارب أو مدنيين آخرين، فيما طلب آخرون/أخريات مرافقة أمنية للخروج.

وتظهر مقارنة هذه الوقائع مع تقييم الرابطة السابق، الذي شمل 607 من المهجّرين/ات قسراً من رأس العين/سري كانيه وتل أبيض/گري سپي، أن عدداً من المخاطر التي حددها المهجّرون/ات قبل العودة ظل قائماً عند بدء العملية. فقد اعتبر 79.2% من المشاركين/ات استقرار الوضع الأمني شرطاً أساسياً للعودة، واعتبر 68.9% حماية الحقوق وجبر الضرر أولوية، فيما أكد 53.7% أهمية وجود آلية مستقلة لمتابعة عملية العودة.

وتشير هذه النتائج إلى أن عدداً من الشروط اللازمة لعودة آمنة وكريمة ومستدامة لم تتوافر بصورة كافية خلال المرحلة الأولى من العودة. ويشمل ذلك الحماية من العنف والتهديد، والقدرة على الوصول إلى الجهات المختصة عند الحاجة، والحصول على الحماية بعد وقوع الحوادث، والوصول إلى آليات فعالة للشكاوى والتحقيق والمساءلة.

وتبرز بصورة خاصة مسألة سيادة القانون في رأس العين/سري كانيه. فحماية العائدين/ات واستقرارهم/ن تتطلب بيئة يستطيع فيها المدنيون الاعتماد على مؤسسات قادرة على منع العنف، وضبط استخدام السلاح، وإنفاذ القانون بصورة متساوية، والتحقيق في الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها، وتمكين الضحايا من الوصول إلى العدالة وسبل الانتصاف. كما تتطلب حماية حقوق السكن والأرض والملكية وجود آليات قانونية مستقلة وعادلة وشفافة يمكن للعائدين/ات اللجوء إليها لحماية حقوقهم/ن واستعادتها.

وتشير الوقائع كذلك إلى ضرورة التحقيق في المؤشرات المتعلقة بالاستهداف على أساس الهوية أو الانتماء السياسي المفترض، واتخاذ تدابير فعالة لمنع التمييز والانتقام وحماية العائدين/ات من أي خطاب أو ممارسة تهدف إلى منعهم/ن من العودة أو تهديد وجودهم/ن في مناطقهم الأصلية.

وبناءً على ذلك، ترى الرابطة أن أي مراحل لاحقة للعودة ينبغي أن تستند إلى تقييم مستقل ومستمر للظروف الأمنية والحقوقية، وإلى ضمانات قابلة للتحقق للحماية وسيادة القانون، ومنع التمييز والانتقام، وحماية حقوق السكن والأرض والملكية، والتحقيق والمساءلة، وتوفير سبل فعالة للشكوى والانتصاف، مع مشاركة المهجّرين/ات والضحايا وممثليهم/ن في متابعة عملية العودة وتقييمها.

 

9. التوصيات:

استناداً إلى الوقائع التي وثقتها رابطة تآزر للضحايا ونتائج تقييم شروط العودة إلى رأس العين/سري كانيه، توصي الرابطة بما يلي:

أولاً: الحكومة السورية والجهات الأمنية والقضائية المختصة
  • عدم تنظيم أو دعم أي قوافل أو عمليات عودة جماعية جديدة إلى رأس العين/سري كانيه إلى حين إجراء تقييم مستقل للتحقق من توافر شروط العودة الطوعية والآمنة والكريمة والمستدامة، وضمان ترتيبات حماية واضحة وقابلة للتنفيذ قبل الوصول وبعده.
  • تعزيز سيادة القانون داخل رأس العين/سري كانيه من خلال ضمان خضوع جميع الأفراد والجماعات المسلحة للقانون، ومنع حمل السلاح واستخدامه خارج الأطر القانونية، واتخاذ إجراءات فعالة لمنع الاعتداء على المدنيين أو ترهيبهم.
  • فتح تحقيقات مستقلة وفعالة ونزيهة في الانتهاكات التي رافقت قافلة 10 آب/أغسطس 2026، بما فيها الاعتداءات الجسدية، وتحطيم المركبات والممتلكات، وإطلاق النار، والتهديد والترهيب، وتحديد المسؤولين عنها ومساءلتهم وفق الأدلة المتاحة.
  • اتخاذ تدابير فورية لحماية العائدين/ات والمدنيين داخل المدينة، وضمان قدرتهم على الوصول إلى منازلهم وممتلكاتهم والبقاء فيها بأمان، والاستجابة السريعة لأي تهديد أو اعتداء.
  • التحقيق في مؤشرات الاستهداف على أساس الهوية أو الانتماء السياسي المفترض، واتخاذ تدابير فعالة لمنع التمييز والتهديد والانتقام أو التحريض على منع عودة السكان إلى مناطقهم الأصلية.
  • إنشاء آلية مستقلة وفعالة لمتابعة عملية العودة، تتلقى شكاوى العائدين/ات، وتتحقق من الانتهاكات، وتتابع أوضاع الأسر المعرضة للخطر، وتضمن مشاركة المهجّرين/ات والضحايا وروابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني.
  • حماية حقوق السكن والأرض والملكية للعائدين/ات، وإنشاء آليات مستقلة وعادلة وشفافة للنظر في مطالبات استرداد الممتلكات وتسوية النزاعات المتعلقة بها، وضمان التعويض وجبر الضرر عند تعذر الاسترداد.
  • ضمان استمرار الحماية وسبل الانتصاف للعائلات التي غادرت مجددًا، وعدم اعتبار مغادرتها تنازلًا عن حقها في العودة أو عن حقوقها المتعلقة بالسكن والأرض والملكية.
ثانياً: الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والجهات المانحة
  • دعم إنشاء آلية مستقلة ومستدامة لرصد عملية العودة وأوضاع العائدين/ات في رأس العين/سري كانيه، تتولى توثيق الانتهاكات والتحقق منها وتلقي الشكاوى ومتابعة الحالات، مع ضمان مشاركة المهجّرين/ات والضحايا ومنظماتهم.
  • دعم التحقيق المستقل في الانتهاكات التي رافقت قافلة 10 آب/أغسطس 2026، وحماية الأدلة والشهود، وضمان إمكانية إحالة المعلومات الموثقة إلى آليات المساءلة ذات الصلة.
  • ربط أي دعم أو تمويل لعمليات العودة بتوافر ضمانات قابلة للتحقق للعودة الطوعية والآمنة والكريمة والمستدامة، بما يشمل الحماية الفعلية وسيادة القانون، ومنع التمييز والانتقام، والوصول إلى سبل الانتصاف.
  • دعم برامج استعادة السكن والأراضي والممتلكات، وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية وسبل العيش، بما يساعد العائلات العائدة على الاستقرار في مناطقها الأصلية.
  • دعم برامج جبر الضرر واستعادة الحقوق للعائلات المتضررة من التهجير والانتهاكات المرتبطة بالعودة، بما يشمل المساعدة القانونية في قضايا السكن والأرض والملكية.
  • ضمان المشاركة الفاعلة للمهجّرين/ات والضحايا ومنظماتهم في تصميم وتنفيذ ومتابعة وتقييم سياسات وبرامج العودة، بما في ذلك المراحل السابقة للعودة وما بعد الوصول.
ثالثاً: منظمات المجتمع المدني وروابط الضحايا
  • مواصلة رصد أوضاع العائدين/ات والعائلات التي غادرت المدينة مجدداً، وتوثيق الانتهاكات والمخاطر التي تواجهها وفق معايير مهنية للتحقق وحماية الضحايا والشهود.
  • تعزيز توثيق قضايا السكن والأرض والملكية المرتبطة بالتهجير والعودة، ودعم العائلات في حفظ الوثائق والأدلة المتعلقة بحقوقها.
  • تعزيز الدعم القانوني للعائدين/ات والمهجّرين/ات المتضررين/ات من الانتهاكات، ولا سيما في قضايا الاعتداءات والتهديد والملكية واستعادة الممتلكات وجبر الضرر.
  • تعزيز المناصرة من أجل عدم تنظيم أو دعم عمليات عودة لا تتوافر فيها ضمانات الحماية والأمان والكرامة والاستدامة وسيادة القانون، وربط أي مراحل لاحقة بضمانات قابلة للتحقق.
  • تعزيز مشاركة المهجّرين/ات والضحايا في الحوار وصنع القرار بشأن العودة، وضمان وصول أصوات العائلات التي عادت ثم غادرت مجدداً إلى الجهات المعنية بتصميم سياسات العودة ومتابعتها.
  • متابعة وتوثيق أثر المخاطر والانتهاكات على قرارات العائلات المتعلقة بالبقاء أو المغادرة، بما يساعد على تقييم استدامة العودة وتحديد التدابير اللازمة لمنع تكرار حالات المغادرة المرتبطة بالخوف أو التهديد.

للاطّلاع على التقرير كاملاً (18 صفحة) بصيغة PDF، يُرجى النقر على هذا الرابط:

 


[1] المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي، المبدأ 28، تنص على أنه تقع على عاتق السلطات المختصة المسؤولية الأساسية عن تهيئة الظروف وتوفير الوسائل التي تتيح للمهجّرين/ات العودة طوعاً، بأمان وكرامة، إلى منازلهم/ن أو أماكن إقامتهم/ن المعتادة، مع تيسير إعادة اندماجهم/ن وضمان مشاركتهم/ن في تخطيط وإدارة العودة.

[2] العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادتان 2(1) و26، تلزمان الدول باحترام الحقوق وضمانها دون تمييز، وتقران بالمساواة أمام القانون والحق في الحماية المتساوية منه. وأكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن أسباب التمييز تشمل، من بين أمور أخرى، العرق واللون واللغة والدين والرأي السياسي أو غيره والأصل القومي أو الاجتماعي وغيرها من الأوضاع.

[3] مبادئ الأمم المتحدة بشأن رد المساكن والممتلكات إلى اللاجئين والمهجّرين/ات (مبادئ بينهيرو)، ولا سيما المبدأ 2 بشأن الحق في رد المساكن والأراضي والممتلكات، والمبدآن 12 و13 بشأن إنشاء آليات وإجراءات عادلة ومستقلة وغير تمييزية ومتاحة للنظر في مطالبات الاسترداد والتعويض.

[4] تنص المادة 2(3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على ضمان سبيل انتصاف فعال عند انتهاك الحقوق المعترف بها في العهد. وأكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن على الدول التحقيق في ادعاءات الانتهاكات بصورة سريعة وشاملة وفعالة ومن خلال هيئات مستقلة ونزيهة، وأن عدم إجراء تحقيق مناسب قد يشكل، في حد ذاته، إخلالاً بالتزامات العهد. انظر أيضاً التعليق العام رقم 31، ولا سيما الفقرتين 15 و16.

[5] انظر المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار 60/147 لعام 2005. وتشمل أشكال الجبر، بحسب طبيعة الحالة، رد الحقوق والتعويض وإعادة التأهيل والترضية وضمانات عدم التكرار.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق اقرا المزيد