الرئيسية تقارير مواضيعيةمن التهميش إلى التمثيل: تمكين الضحايا لمواجهة خطاب الكراهية في سوريا

من التهميش إلى التمثيل: تمكين الضحايا لمواجهة خطاب الكراهية في سوريا

تحليل قائم على مخرجات حوارات مجتمعية

بواسطة editor
31 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

مقدمة:

تأتي هذه الورقة في سياق مبادرة تهدف إلى تطوير مقاربة محلية أكثر عمقاً وتنظيماً لمواجهة خطاب الكراهية في السياق السوري، انطلاقاً من فهمه بوصفه ظاهرة مركّبة ومتعددة الأبعاد، تمتد من التعبيرات العدائية المباشرة إلى أنماط أكثر تعقيداً من الإقصاء، والوصم الاجتماعي، والتوظيف السياسي والإعلامي لمعاناة الضحايا، بما يعيد إنتاج التهميش ويقوّض الاعتراف والإنصاف.

تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن خطاب الكراهية في سوريا لا يمكن تحليله أو معالجته بمعزل عن البنى الأوسع التي ينتج ضمنها، وعلى رأسها غياب العدالة، وضعف تمثيل الضحايا، وتآكل الثقة بين المكونات المجتمعية. وعليه، فأن مواجهته تتطلب الانتقال من تناول الضحايا بوصفهم موضوعاً للنقاش إلى إشراكهم بوصفهم فاعلين أساسيين في تشكيل الخطاب العام حول قضاياهم.

تستند هذه الورقة إلى مخرجات 6 جلسات حوارية نظمتها رابطة تآزر للضحايا وشركائها في مدن القامشلي، الحسكة، الرقة، السلمية، عفرين، وحمص، خلال الفترة بين 5 و12 نيسان/أبريل 2026، بمشاركة 88 شخصاً، من بينهم 48 امرأة، بما يعكس تنوعاً في التجارب والخلفيات ضمن النقاشات.

وقد ركّزت هذه الجلسات على جمع الضحايا مع فاعلين/ات مؤثرين/ات في المجال العام، بهدف تحليل العلاقة بين خطاب الكراهية وتمثيل الضحايا، واستكشاف إمكانات تطوير خطاب بديل قائم على العدالة والاعتراف والمسؤولية، بما يسهم في الحد من الاستقطاب وتعزيز التماسك المجتمعي.

 

أولاً: الإطار المنهجي الناظم للجلسات

اعتمدت الجلسات على منهجية النقاشات المركّزة، القائمة على إشراك عدد محدود ومتنوّع من المشاركين والمشاركات، بما يتيح تفاعلاً معمّقاً ومتوازناً بين أصحاب التجربة المباشرة والفاعلين/ات المؤثرين/ات في تشكيل الخطاب العام. وتُعد هذه المنهجية مناسبة لطبيعة الموضوع، نظراً لقدرتها على جمع الخبرة المباشرة للضحايا مع وجهات نظر الفاعلين المؤثرين في تشكيل الخطاب العام.

وشاركت في هذه الجلسات فئات متعددة، شملت الضحايا وعائلاتهم/ن، والإعلاميين/ات وصنّاع المحتوى، وممثلي/ات منظمات المجتمع المدني، والناشطين/ات الشباب، والقيادات المجتمعية المحلية، مع ضمان تمثيل متوازن للنساء، بحيث لا تقل نسبة مشاركتهن عن 40% في كل جلسة.

كما استند تصميم الجلسات إلى مجموعة من المبادئ الناظمة، أبرزها: توفير مساحة آمنة للحوار، واحترام الخصوصية والتجارب الشخصية، وعدم تهميش أصوات الضحايا، وإدارة النقاش بطريقة تتيح التوازن في المشاركة، وتُسهم في إنتاج خلاصات عملية قابلة للاستخدام في التوصيات والسياسات.

وتركزت للنقاشات حول عدد من القضايا الأساسية، من بينها:

  • كيفية تناول قضايا الضحايا في الخطاب العام، والأنماط السائدة في هذا التمثيل.
  • أثر هذا التناول على الضحايا أنفسهم وعلى العلاقات المجتمعية الأوسع.
  • تحديد أدوار الجهات المختلفة في الحد من خطاب الكراهية ومواجهته.
  • إمكانات تطوير خطاب بديل أكثر مسؤولية، يستند إلى الاعتراف والعدالة.

 

ثانياً: نتائج الجلسات

1) خطاب الكراهية يتخذ أشكالاً تتجاوز التحريض المباشر ليشمل التهميش والتوظيف والتمثيل المختل:

أظهرت الجلسات أن فهم المشاركين/ات لخطاب الكراهية يتجاوز كونه شتائم أو تحريضاً مباشراً، ليشمل ممارسات أوسع مثل اختزال الضحايا في أرقام، وتوظيف قضاياهم في السجالات السياسية، أو تقديمهم ضمن سرديات لا تعكس صوتهم الفعلي. وفي هذا السياق، برز تغييب الضحايا عن النقاش العام، أو التحدث باسمهم دون إشراكهم، بوصفه شكلاً من أشكال الإقصاء الذي يعيد إنتاج الضرر.

كما بيّنت النقاشات امتداد خطاب الكراهية إلى الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية، من خلال الوصم المرتبط بالانتماء الطائفي أو المناطقي، وبناء تصورات مسبقة سلبية عن مناطق أو جماعات بعينها. وقد تجلّى ذلك في ممارسات تمييزية داخل بيئات العمل والجامعات، وكذلك في التفاعلات الاجتماعية، بما يعكس استمرار إنتاج الانقسام حتى ضمن الدوائر المجتمعية الضيقة.

وفي السياق ذاته، أشار المشاركون/ات إلى أن الخطاب العام السائد يتعامل مع الضحايا غالباً بوصفهم مادة خبرية عابرة أو أداة لتسجيل مكاسب أو مواقف سياسية، دون تطوير معرفة جادة بقضاياهم أو تمكينهم من التعبير عن أنفسهم، في ظل هيمنة خطابات سياسية وإعلامية ودينية مستقطِبة، مقابل ضعف حضور خطاب نابع من الضحايا أنفسهم.

ومن جهة أخرى، ربط المشاركون/ات خطاب الكراهية بكل ممارسة تنتقص من كرامة المعتقلين/ات والمفقودين/ات وأهاليهم/ن، سواء عبر الإساءة المباشرة، أو التشكيك، أو إنكار التجربة الإنسانية للمتضررين/ات. وظهر أيضاً ارتباط هذا الخطاب بالهويات القومية والثقافية، من خلال استهداف الأفراد بناءً على مظهرهم أو لغتهم أو انتمائهم المفترض، حتى داخل المجتمع المحلي ذاته، بما يعكس هشاشة التعايش في ظل تصاعد الخطابات الإقصائية.

 

2) علاقة مباشرة بين غياب العدالة وتصاعد خطاب الكراهية:

برز في الجلسات ربط واضح بين غياب العدالة والمحاسبة من جهة، وتصاعد خطاب الكراهية من جهة أخرى. فقد اعتبر المشاركون/ات أن تغييب الحقيقة، وتعطيل المساءلة، وعدم الاعتراف بجميع فئات الضحايا على قدم المساواة، تغذّي الإحباط والغضب وتفاقم انعدام الثقة، بما يفتح المجال أمام مزيد من الاستقطاب.

وتجلّى هذا الربط في النقاشات حول مسارات العدالة الانتقالية المطروحة وحدودها، ولا سيما من حيث شمولها أو إقصائها لفئات معينة من الضحايا. إذ أشار عدد من المشاركين/ات إلى أن التركيز على ضحايا محددين أو جغرافيا معينة أو جهات منتهِكة بعينها يولّد شعوراً عميقاً بالتمييز، ويحوّل العدالة من مدخل للإنصاف إلى مصدر جديد للإقصاء.

كما تكررت الإشارة إلى تغييب ضحايا الانتهاكات المنسوبة إلى أطراف متعددة، مثل تنظيم داعش، وقوات سوريا الديمقراطية، وبعض الفصائل والمجموعات التي اندمجت في وزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية، بما يعزز الإحساس بعدم المساواة في الاعتراف.

وفي هذا الإطار، شدد المشاركون/ات على أن مواجهة خطاب الكراهية لا يمكن أن تقتصر على الخطاب التوعوي، وإنما تتطلب مسارات أكثر جدية ترتبط بالمحاسبة، وجبر الضرر، وصون كرامة الضحايا، وبناء سردية وطنية جامعة قائمة على الاعتراف المتساوي.

 

3) تهميش مزدوج للضحايا: من الانتهاك إلى الخطاب العام

كشفت الجلسات عن مستوى عالٍ من الوعي المقترن بالألم لدى الضحايا وذويهم، ترافق مع شعور واضح بالتهميش يمتد من تجربة الانتهاك الأصلية إلى كيفية تناول القضية في الإعلام والمجال العام، وأحياناً ضمن بعض المبادرات الحقوقية أو المدنية.

وقد عبّر المشاركون/ات عن أن الضحايا يُعامَلون في كثير من الأحيان بوصفهم موضوعاً للحديث لا أصحاب حق وصوت، وهو ما انعكس في التمييز بين “من يتحدث باسم الضحايا” و”صوت الضحايا الحقيقي”. كما برزت الحاجة إلى نقل الضحايا من موقع التلقي أو التمثيل الرمزي إلى موقع الفاعل المشارك في صياغة الخطاب والتأثير في مسارات المساءلة.

ويمثّل هذا المعنى جوهر المقاربة التي اعتمدتها الجلسات، والتي سعت إلى ضمان حضور فعلي للضحايا، والتعامل مع شهاداتهم بوصفها مدخلاً لفهم الحقيقة، لا مجرد مادة توثيقية.

كما برزت مؤشرات على استمرار الوصم الاجتماعي بحق المعتقلات السابقات، حيث يواجه بعضهن عزلة أو رفضاً حتى داخل محيطهن القريب، بما يفاقم الأثر النفسي والاجتماعي للانتهاك. كذلك كشفت النقاشات عن فجوة ثقة بين بعض الضحايا وجهات تدّعي تمثيلهم، نتيجة تجارب سابقة من التسييس أو الاستغلال، ما عزّز شعوراً لدى بعض الضحايا بأن أصواتهم غير ممثلة بدقة أو مُصادَرَة.

 

4) المجال العام ما يزال أسير سرديات انتقائية وغير متوازنة

أظهرت الجلسات أن تمثيل الضحايا في المجال العام يتسم بعدة سمات متكررة، أبرزها: الانتقائية، والتسييس، والاختزال، وضعف التوثيق المهني، وغياب تعريف جامع لفئات الضحايا. كما لاحظ المشاركون/ات أن التغطية الإعلامية غالباً ما تنقل الحدث دون بناء معرفة، في ظل غياب السياق والتحليل والشهادات المباشرة، ما يضعف الاعتراف بقضايا الضحايا ويجعلها عرضة للتهميش أو الاستهلاك.

كما برزت انتقادات لأداء بعض المؤسسات الرسمية، سواءً من حيث نقص الشفافية، أو ضعف التواصل مع الأهالي، أو محدودية إشراكهم في السياسات المتعلقة بالمفقودين/ات والمعتقلين/ات وسائر الضحايا، ما أدى عملياً إلى إضعاف المبادرات المجتمعية وتعطيل جهود التوثيق.

وفي السياق الرقمي، أشار المشاركون/ات إلى تصاعد أنماط جديدة من الأذى، مثل الابتزاز الإلكتروني ونشر الشائعات والتشهير، والتي تُستخدم أحياناً كأدوات ضغط أو استغلال، وتسهم في تغذية خطاب الكراهية وتقويض الثقة. كما برزت مشكلة التعميم، حيث تُحمَّل جماعات كاملة مسؤولية أفعال فردية، بما يعزز الصور النمطية ويعمّق الانقسام.

 

5) تصاعد خطاب الكراهية في سياقات ما بعد سقوط النظام

أظهرت النقاشات أن خطاب الكراهية لم يتراجع بعد سقوط النظام، بل تصاعد في بعض السياقات، وازداد حدّة مع التوترات المرتبطة بعلاقة الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية خلال عام 2026.

وقد تجلّى ذلك في تنامي الخطابات المتبادلة بين العرب والكُرد، وضعف مظاهر التضامن الإنساني في بعض الحالات، وعودة الاستقطاب على أسس قومية وسياسية ومناطقية، خصوصاً في الفضاءات الرقمية.

كما أشار المشاركون/ات إلى أن جزءاً مهماً من هذا التصعيد يُغذّى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك من خلال حسابات أو جهات خارج السياق المحلي، حيث يتم تضخيم أحداث فردية وتحويلها إلى سرديات عامة تؤدي إلى تأجيج التوتر بين المكونات.

وتعكس هذه المعطيات أن خطاب الكراهية في السياق السوري ظاهرة متجددة تتغذى من الانسداد السياسي، وضعف العدالة، وتضارب السرديات، وغياب إطار وطني جامع للاعتراف المتبادل.

 

6) أثر ممتد يتجاوز الضحايا إلى السلم الأهلي والتماسك المجتمعي

بيّنت الجلسات أن أثر خطاب الكراهية لا يقتصر على الضحايا، بل يمتد إلى بنية العلاقات المجتمعية. حيث يؤدي الخطاب الذي يختزل الألم، أو يميّز بين الضحايا، أو يمنح بعض الانتهاكات أولوية على حساب أخرى، إلى تراكم مظالم جديدة وتقويض الثقة.

وقد حذّر المشاركون/ات من أن استمرار هذه الأنماط قد يؤدي إلى تعميق الشرخ الاجتماعي وزيادة احتمالات النزاع، في ظل غياب الاعتراف المتساوي بحقوق الضحايا. وفي المقابل، برزت فكرة أن التعامل المسؤول مع الألم المشترك يمكن أن يشكّل مدخلاً لبناء تضامن يتجاوز الانقسامات.

كما أُشير إلى الآثار النفسية لهذا الخطاب، بما في ذلك الشعور بالخوف، وفقدان الانتماء، والعزلة، والانكفاء نحو دوائر ضيقة، إلى جانب تعزيز النزعات الانتقامية وتآكل الثقة داخل المجتمع.

 

7) ديناميكيات إنتاج خطاب الكراهية في السياق السوري

استناداً إلى ما سبق، فأن خطاب الكراهية في سوريا لم يعد ظاهرة محلية معزولة، بل نتاج تفاعل مركّب بين عوامل رقمية وسياسية واجتماعية عابرة للمناطق والسياقات.

يلعب الفضاء الرقمي دوراً محورياً في إنتاج الخطاب وتضخيمه، إذ تتيح وسائل التواصل الاجتماعي انتشاراً سريعاً وغير منضبط للمعلومات، بما في ذلك الأخبار غير الدقيقة أو المجتزأة، الأمر الذي يسرّع تشكّل السرديات ويحدّ من إمكانية التحقق أو التصحيح.

ويتسم الخطاب بطابع عابر للمناطق، حيث تنتقل السرديات من سياق إلى آخر دون مراعاة خصوصياته، ما يؤدي إلى تعميمات واسعة تسهم في تعميق الانقسام. وتشير النقاشات أيضاً إلى أن جزءاً مهماً من الخطاب يُنتَج أو يُعاد تأطيره خارج السياق المحلي، سواءً عبر حسابات في الشتات أو جهات فاعلة تعمل على توجيه النقاش العام بما يخدم سرديات محددة.

وفي كثير من الحالات، يعتمد هذا الخطاب على تضخيم أحداث فردية وتحويلها إلى مؤشرات عامة على سلوك جماعات كاملة، ما يخلق ديناميكيات تصعيد سريعة وغير متناسبة مع الحدث الأصلي.

يتغذى هذا المسار أيضاً من غياب مصادر موثوقة للمعلومات، ومن ضعف الأطر القانونية والتنظيمية الناظمة للمجال العام، ما يترك مساحة مفتوحة للتلاعب والتوظيف.

بناءً على ذلك، يقتضي فهم خطاب الكراهية في سوريا التعامل معه بوصفه ظاهرة متعددة المستويات، تتجاوز سلوك الأفراد إلى البُنى والسياقات والأنظمة التي تسهم في إنتاجه واستدامته. ويستدعي ذلك مقاربات متكاملة تجمع بين المعالجة القانونية، والتنظيم الإعلامي، وتعزيز دور الفاعلين المجتمعيين.

 

ثالثاً: نقاط الاتفاق والاختلاف بين المشاركين/ات

أظهرت الجلسات مساحة واسعة من الاتفاق حول عدد من القضايا الأساسية. في مقدمتها ضعف تمثيل الضحايا في المجال العام، وهيمنة خطاب انتقائي أو مسيّس أو محدود التأثير. كما توافق المشاركون/ات على أن غياب العدالة والاعتراف والمحاسبة يشكّل عاملاً رئيسياً في تغذية خطاب الكراهية، وأن تمكين الضحايا من التعبير عن قضاياهم يُعد مدخلاً أساسياً لتصحيح هذا المسار.

وبرز أيضاً توافق واضح حول وجود أزمة ثقة بين الضحايا وبعض الجهات الإعلامية أو المدنية، نتيجة تجارب سابقة اتسمت بعدم الدقة أو التسييس في نقل معاناتهم وتمثيلها.

في المقابل، ظهرت تباينات في مقاربة سبل المعالجة. فقد دعا بعض المشاركين/ات إلى إعطاء أولوية لتطوير أطر قانونية وتنظيمية أكثر صرامة لضبط الخطاب الإعلامي والرقمي، فيما شدد آخرون على أن المدخل الأجدى يبدأ من تفعيل مسارات القضاء والمحاسبة.

كما برز اختلاف حول مقاربة العدالة الانتقالية، حيث شدد بعض المشاركين/ات على أولوية البعد المحاسبي، في حين أبدى آخرون انفتاحاً على مقاربات تصالحية، شريطة ألا تأتي على حساب الحقيقة والحق والاعتراف.

 

رابعاً: المخرجات الأساسية التي يمكن استخلاصها من الجلسات

تُظهر الجلسات مجموعة من المخرجات المركزية التي تساعد في فهم أعمق لخطاب الكراهية في السياق السوري، ويمكن تلخيصها على النحو الآتي:

  • يرتبط خطاب الكراهية ببُنى أوسع تتجاوز البعد اللغوي أو الإعلامي، وتشمل منظومات العدالة والتمثيل والاعتراف وأداء المؤسسات، ما يستدعي مقاربات شاملة في معالجته.
  • يشكّل غياب عدالة شاملة ومتساوية بين مختلف فئات الضحايا والمناطق والجهات المنتهِكة عاملاً رئيسياً في تغذية الإحباط والاستقطاب، ويعزز بيئة حاضنة لخطاب الكراهية.
  • يسهم تهميش الضحايا، أو التحدث باسمهم دون إشراكهم الفعلي، في إعادة إنتاج أنماط الإقصاء، ويحدّ من فرص بناء خطاب عام أكثر عدلاً ومساءلة.
  • يعاني التناول الإعلامي السائد من قصور واضح، يتمثل في اختزال قضايا الضحايا ضمن تغطيات خبرية سطحية، وإخضاعها للتسييس، وضعف التوثيق، إلى جانب محدودية المساحات التي يُتاح فيها للضحايا التعبير عن أنفسهم بشكل مباشر.
  • يتأثر خطاب الكراهية بديناميكيات عابرة للمناطق، وبالدور المتصاعد للفضاء الرقمي في تضخيم السرديات وتعميمها، بما يسرّع إنتاج الانقسام.
  • تتوفر إمكانات واقعية لتطوير خطاب بديل أكثر مسؤولية، يرتكز على تمكين الضحايا، وتعزيز التوثيق المجتمعي المهني، وتوسيع المشاركة المدنية، وتحسين الأداء الإعلامي، إلى جانب تطوير أطر قانونية ومؤسساتية أكثر عدلاً وفعالية.

 

خامساً: التوصيات العملية

1) على مستوى الدولة والجهات الرسمية
  • اعتماد إطار قانوني ومؤسساتي شامل لقضايا الضحايا، يقوم على تعريف واضح للضحية ويضمن الاعتراف المتساوي دون تمييز.
  • ضمان الشفافية والوصول إلى المعلومات، وتطوير قنوات تواصل منتظمة مع الضحايا وذويهم، تضمن مشاركتهم الفعلية.
  • تسريع عمليات التوثيق والبحث والكشف عن المقابر الجماعية، وتعزيز قدرات التحقق، بما في ذلك استخدام تقنيات فحص الحمض النووي عند الحاجة.
  • تفعيل مسارات العدالة والمساءلة وجبر الضرر، بما يعزز الثقة ويحد من الإفلات من العقاب.
  • تطوير آليات متابعة وتقييم لقياس أثر السياسات والإجراءات المتخذة في الحد من خطاب الكراهية.
  • تطوير تشريعات وآليات للحد من خطاب الكراهية، تقوم على تجريم التحريض والتعميم، وتعزيز مبدأ المسؤولية الفردية.
2) على مستوى الإعلام وصنّاع المحتوى
  • اعتماد مدونات سلوك مهنية وأخلاقية ملزمة، تضمن تناول قضايا الضحايا باحترام، وتحد من التسييس والاستغلال والتعميم والتحريض.
  • إشراك الضحايا في إنتاج السرديات الإعلامية، وتوسيع المساحات التي تتيح لهم التعبير المباشر عن أنفسهم وتجاربهم.
  • تطوير أدوات تحريرية وتقنية للحد من خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، وتعزيز التغطية التحليلية والسياقية، بدلاً من الاكتفاء بنقل الأخبار المجتزأة أو السريعة.
  • بناء قدرات الإعلاميين/ات في تغطية قضايا النزاع، بما يشمل أخلاقيات التغطية الحساسة للصدمة.
3) على مستوى منظمات المجتمع المدني
  • تطوير برامج مستدامة لدعم الضحايا، تقوم على التمكين والمرافقة طويلة الأمد، مع إدماج الدعم النفسي الاجتماعي كعنصر أساسي.
  • إنشاء وتيسير مساحات آمنة للحوار بين الضحايا وباقي الفاعلين في المجتمع، بما يعزز التفاهم ويحد من الاستقطاب.
  • دعم التنظيم الذاتي للضحايا، وتعزيز قدراتهم في المناصرة، وربط قضاياهم بمسارات أوسع تشمل العدالة، والاعتراف، والمشاركة في الشأن العام.
  • تطوير أدوات التوثيق المجتمعي بما يضمن الدقة والمهنية ويعزز مصداقية السرديات.
4) على مستوى الضحايا وروابطهم
  • دعم تأسيس مبادرات منظّمة للضحايا، قادرة على التعبير والمناصرة والتأثير في السياسات العامة، مع مراعاة التنوع الجغرافي وأنماط الانتهاكات، وتجنّب إعادة إنتاج الإقصاء الداخلي.
  • تعزيز قدرات الضحايا في مجالات المناصرة، والتوثيق، والتواصل مع الإعلام وصنّاع القرار.
  • تطوير مبادرات للذاكرة المجتمعية تحفظ تجارب الضحايا وتُسهم في بناء سردية قائمة على الاعتراف والعدالة.
  • تعزيز مساحات التضامن بين الضحايا بما يتجاوز الانقسامات، ويسهم في الحد من الاستقطاب المجتمعي.

يُظهر هذا التحليل أن خطاب الكراهية في السياق السوري يرتبط بغياب العدالة واختلال تمثيل الضحايا، وينتج عن بُنى أعمق تتعلق بالاعتراف والمساءلة. وتتطلب معالجته إعادة تموضع الضحايا كفاعلين في صياغة الخطاب العام، ضمن مسار يقوم على الاعتراف المتساوي والعدالة.

ويشكّل تمكين الضحايا مدخلاً أساسياً للحد من الاستقطاب، وتعزيز الثقة، وبناء سردية أكثر تماسكاً تدعم إمكانات السلم الأهلي.

 


للاطّلاع على ملخص التقرير، يُرجى النقر على هذا الرابط.
للاطّلاع على التقرير كاملاً بصيغة PDF، يُرجى النقر على هذا الرابط.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق اقرا المزيد