الرئيسية منشورات الشبكةبين الأمل والتحديات: إعادة الجنسية للكُرد مكتومي القيد في سوريا

بين الأمل والتحديات: إعادة الجنسية للكُرد مكتومي القيد في سوريا

تقرير مشترك لرصد وتقييم تنفيذ المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026

بواسطة editor
15 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

ملخص تنفيذي:

يمثل المرسوم رقم (13) لعام 2026 خطوة مهمة طال انتظارها لمعالجة واحدة من أكثر قضايا انعدام الجنسية تعقيداً واستمراراً في سوريا، والمتمثلة بتجريد عشرات الآلاف من الكُرد السوريين/ات من الجنسية نتيجة الإحصاء الاستثنائي الذي أُجري في محافظة الحسكة عام 1962، والذي امتدت آثاره إلى أجيال متعاقبة لتشمل مئات الآلاف من الأشخاص على مدى أكثر من ستة عقود، حُرموا خلالها من الاعتراف القانوني والوصول المتكافئ إلى الحقوق والخدمات الأساسية.

وفي إطار الجهود الرامية إلى معالجة هذه القضية، نصت المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026 على إلغاء التدابير الاستثنائية المترتبة على إحصاء عام 1962 ومنح الجنسية السورية للمواطنين الكُرد المتضررين منها، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم الكاملة في الحقوق والواجبات. وبدأت اللجان المختصة استقبال طلبات تجنيس الكُرد مكتومي القيد اعتباراً من 6 نيسان/أبريل 2026 لمدة ثلاثين يوماً، قبل أن يتم تمديد فترة التقديم خمسة عشر يوماً إضافية استجابة للمطالب المحلية والحقوقية الرامية إلى تمكين أكبر عدد ممكن من الأشخاص المشمولين من الاستفادة من الإجراءات.

ووفقاً لإعلان وزارة الداخلية بتاريخ 22 أيار/مايو 2026، استقبلت اللجان الرسمية 2,892 طلباً عائلياً تضمنت تفويضات قانونية لتجنيس 10,516 فرداً. وتعكس هذه الأرقام حجم الحاجة المتراكمة لاستعادة الجنسية والرغبة الواسعة لدى المتضررين/ات في تسوية أوضاعهم/ن القانونية. وفي المقابل، تشير تقديرات شبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة إلى استمرار وجود أعداد كبيرة من الأشخاص المشمولين بالمرسوم خارج عملية التسجيل، خاصة بين اللاجئين/ات والمقيمين/ات في دول الجوار وأوروبا، ويُتوقع أن يبلغ عددهم آلاف العائلات.

وفي 11 حزيران/يونيو 2026، أعلنت الإدارة العامة للشؤون المدنية استكمال جمع الطلبات ومباشرة اللجان المختصة تدقيقها تمهيداً لاستكمال إجراءات التجنيس، إلى جانب تحديد مواعيد مقابلات المتقدمين/ات، ومنح مهلة إضافية للمقيمين/ات خارج البلاد الذين قُدمت طلبات لهم/ن من قبل ذويهم/ن، لتمكينهم/ن من استكمال الإجراءات المطلوبة.

يستند هذا التقرير إلى رصد ميداني ومقابلات فردية مع أشخاص من فئة مكتومي القيد وأفراد أسرهم داخل سوريا وخارجها، إضافة إلى ملاحظات ميدانية من مراكز التسجيل وتحليل قانوني للإجراءات المتبعة. ويهدف التقرير إلى تقييم فرص وتحديات تنفيذ المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026 الخاصة بإعادة الجنسية للكُرد مكتومي القيد، ورصد مدى قدرة الإجراءات الحالية على الوصول إلى جميع الفئات المشمولة بصورة عادلة وفعالة وشاملة.

امتدت آثار انعدام الجنسية إلى التعليم والصحة والتنقل والملكية والتسجيل المدني، حيث واجه المتضررون صعوبات في الوصول إلى الخدمات الأساسية والحصول على الوثائق الرسمية وإدارة شؤونهم القانونية والاقتصادية، مع انعكاسات خاصة على النساء والأطفال والأجيال اللاحقة.

وأظهرت المقابلات وأعمال الرصد الميداني حالة من الأمل والترقب الإيجابي لدى العديد من الضحايا والمتضررين، خاصة مقارنة بالمحاولات السابقة التي اتسمت بالتعقيد أو محدودية النتائج. كما أشار المشاركون/ات إلى أن إجراءات التسجيل بدت أكثر سهولة في عدد من المراكز، وأن الموظفين أبدوا قدراً من التعاون والتنظيم في استقبال الطلبات، الأمر الذي عزز الثقة الأولية بالعملية وأعاد الأمل بإمكانية استعادة الحقوق القانونية والمدنية التي حُرم منها المتضررون لعقود.

في المقابل، كشفت أعمال الرصد عن استمرار مجموعة من التحديات العملية والإجرائية التي قد تؤثر على شمولية العملية وعدالتها وفعاليتها. ومن أبرز هذه التحديات الصعوبات المرتبطة بإثبات الإقامة أو الروابط الأسرية لدى بعض المتقدمين/ات، خاصة في حالات النزوح وفقدان الوثائق أو تعدد التصنيفات القانونية داخل الأسرة الواحدة. ورصد التقرير أيضاً حالات جرى فيها تسجيل متقدمين/ات كُرد في استمارات التقديم الرسمية تحت صفة «عربي سوري»، قبل أن يتم التراجع عن هذا التصنيف واعتماد وصف «سوري» في إجراءات التسجيل استجابةً لاعتراضات المتضررين/ات. كما برزت أوضاع السوريين/ات المقيمين/ات خارج البلاد باعتبارها إحدى أكثر القضايا إلحاحاً، في ظل اشتراط الحضور الشخصي إلى مراكز التسجيل وما يرافق ذلك من تكاليف مالية وصعوبات مرتبطة بالإقامة والعمل والتنقل.

كما أظهرت المقابلات وجود حالة من عدم الوضوح بشأن المراحل اللاحقة للتسجيل، بما في ذلك إجراءات دراسة الطلبات، والمقابلات الشخصية، والمدة الزمنية المتوقعة للبت في الملفات، وآليات الحصول على الوثائق المدنية بعد الموافقة على الطلبات. وأسهمت محدودية المعلومات المتاحة للجمهور في خلق حالة من القلق وعدم اليقين لدى عدد من المتقدمين/ات وأسرهم/ن.

وسجل التقرير تفاوتاً في بعض جوانب التطبيق بين مراكز التسجيل المختلفة، سواء من حيث المعلومات المقدمة للمتقدمين/ات أو طبيعة الوثائق المقبولة أو آليات تنظيم العمل، بما يعكس الحاجة إلى تعليمات تنفيذية موحدة ومعلنة بصورة واضحة. كما رصدت المقابلات حالات مرتبطة بالاستغلال المالي وفرض مبالغ متفاوتة للحصول على بعض الوثائق المطلوبة، إضافة إلى انتشار معلومات غير دقيقة وعروض غير قانونية استهدفت بعض المقيمين/ات خارج البلاد.

ويخلص التقرير إلى أن المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) تشكل فرصة تاريخية لمعالجة أحد أكثر ملفات انعدام الجنسية تعقيداً في سوريا. إلا أن نجاح هذه الخطوة يرتبط بقدرة الجهات المعنية على ضمان وصول جميع الفئات المتضررة إلى الإجراءات بصورة متساوية، وتعزيز الشفافية وتوحيد آليات التطبيق ومعالجة العقبات التي تواجه المقيمين/ات خارج البلاد وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة.

كما أن معالجة آثار أكثر من ستة عقود من انعدام الجنسية تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز منح الجنسية بحد ذاته، لتشمل تسوية الآثار القانونية والمدنية المتراكمة، وضمان الوصول الفعلي إلى الوثائق والخدمات والحقوق المرتبطة بالمواطنة، بما يسهم في تعزيز الثقة بالمؤسسات العامة وترسيخ مبادئ المساواة وعدم التمييز وسيادة القانون والمواطنة المتساوية لجميع السوريين/ات.

 

مقدمة وخلفية:

تُعد قضية الكُرد مكتومي القيد وأشكال انعدام الجنسية الناجمة عن الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 من أبرز القضايا الحقوقية غير المعالجة في سوريا. ففي الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 1962 أُجري إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة أدى إلى تجريد عشرات الآلاف من الكُرد السوريين/ات من جنسيتهم/ن، وخلق فئتين رئيسيتين من عديمي الجنسية: 1) أجانب الحسكة، الذين سُجلوا في سجلات خاصة بوصفهم «أجانب» داخل وطنهم، و2) مكتومو القيد، الذين تُركوا خارج السجلات المدنية بشكل كامل دون أي اعتراف قانوني بوجودهم.

وأدى الحرمان من الجنسية والوثائق الرسمية إلى تقييد الوصول إلى الحقوق الأساسية، بما في ذلك التعليم والعمل والرعاية الصحية والتنقل وتسجيل الوقائع المدنية والملكية والمشاركة في الحياة العامة. كما انتقلت آثار انعدام الجنسية إلى الأبناء والأحفاد، ما أدى إلى اتساع دائرة المتضررين/ات عبر أجيال متعاقبة.

وقدّرت مصادر أممية ودولية، بما في ذلك مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عدد الكُرد عديمي الجنسية في سوريا، من فئتي أجانب الحسكة ومكتومي القيد، بنحو 300 ألف شخص بحلول عام 2011، فيما أشارت تقديرات منظمات حقوقية محلية وأحزاب سياسية كُردية إلى أن العدد تجاوز 500 ألف شخص. ويُعزى التفاوت بين هذه التقديرات إلى غياب بيانات رسمية دقيقة ومحدثة حول أعداد عديمي الجنسية في سوريا.

ورغم صدور المرسوم التشريعي رقم (49) لعام 2011 الذي نص على منح الجنسية السورية للمسجلين في سجلات «أجانب الحسكة»، بقي عشرات الآلاف من مكتومي القيد خارج إطار الجنسية السورية. وتشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن نحو 160 ألف شخص ظلوا عديمي الجنسية داخل سوريا بحلول نهاية عام 2015، رغم عمليات التجنيس التي أعقبت المرسوم.

واستمرت قضية مكتومي القيد وآثار انعدام الجنسية دون معالجة شاملة على مدى السنوات اللاحقة. وفي عام 2026، صدر المرسوم رقم (13)، ونصت المادة الرابعة منه على إلغاء التدابير الاستثنائية المترتبة على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، ومنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كُردية المتضررين منها، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات.

ويرتبط نجاح هذه الخطوة بفعالية الإجراءات التنفيذية ومدى شموليتها وقدرتها على الوصول إلى جميع الفئات المشمولة دون تمييز، بمن فيهم المقيمون/ات خارج سوريا، وضمان تطبيقها وفق معايير الشفافية والمساءلة وسيادة القانون. وانطلاقاً من ذلك، يهدف هذا التقرير إلى تقييم تنفيذ المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026 من خلال رصد تجارب المتضررين/ات وتحليل التحديات والفرص المرتبطة بالإجراءات المتبعة، بما يسهم في دعم الجهود الرامية إلى ضمان تنفيذ أكثر شمولاً وفعالية وعدالة.

 

المنهجية:

يعتمد هذا التقرير على منهجية الرصد الحقوقي النوعي، من خلال الجمع بين المقابلات الفردية، والرصد الميداني المباشر، والتحليل القانوني والإجرائي للمادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026 والإجراءات المتبعة لتنفيذها.

وخلال الفترة الممتدة بين 6 نيسان/أبريل و22 أيار/مايو 2026، أجرت رابطة تآزر للضحايا وشبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة، بالتعاون مع الشبكة الإقليمية حول انعدام الجنسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هويّتي)، 18 مقابلة فردية مع أشخاص من الكُرد مكتومي القيد وأفراد من أسرهم/ن من مناطق مختلفة في محافظة الحسكة، شملت الحسكة والقامشلي والمالكية/ديريك ورأس العين/سري كانيه، إضافة إلى أشخاص يقيمون خارج سوريا في إقليم كُردستان العراق وتركيا. وشملت العينة أشخاصاً تمكنوا من التقدم بطلبات التسجيل بموجب المادة الرابعة من المرسوم رقم (13)، وآخرين لم يتمكنوا من التقديم أو استكمال الإجراءات لأسباب مختلفة.

كما استند التقرير إلى شهادات مباشرة لضحايا ومتضررين/ات من انعدام الجنسية، ركزت على الآثار المترتبة على حرمانهم/ن من الجنسية، وتجاربهم/ن في التقدم بطلبات التسجيل ضمن الإجراءات الحالية، والتحديات التي واجهوها خلال مراحل تجهيز الوثائق والتسجيل والمتابعة.

وإلى جانب المقابلات، تضمن التقرير ملاحظات ميدانية جُمعت من زيارات لمراكز تسجيل مكتومي القيد في محافظة الحسكة، بهدف رصد آليات العمل، ومستوى التنظيم، وإمكانية الوصول إلى الخدمات، والتحديات التي تواجه المتقدمين والمتقدمات. كما أُخذت في الاعتبار إفادات قانونية متخصصة تناولت الجوانب الإجرائية والتنفيذية للمادة الرابعة من المرسوم ومدى اتساق التطبيق العملي مع المبادئ القانونية ذات الصلة.

ويركز التقرير على تقييم الجوانب العملية والحقوقية المرتبطة بتنفيذ المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026، ورصد التحديات التي تواجه المتضررين/ات خلال عملية التسجيل، بما يسهم في دعم الجهود الرامية إلى تعزيز فعالية الإجراءات وضمان شموليتها وعدالتها.

وحرصاً على حماية خصوصية المشاركين/ات وتفادي أي آثار محتملة قد تترتب على مشاركتهم/ن، استخدم التقرير أسماء مستعارة لجميع الأشخاص الذين وردت شهاداتهم/ن أو إفاداتهم/ن فيه.

 

أولاً: آثار انعدام الجنسية على الحقوق الأساسية

أدى انعدام الجنسية إلى حرمان الكُرد مكتومي القيد من الاعتراف القانوني الكامل ومن الحصول على الوثائق الثبوتية الأساسية، كما حدّ من تمتعهم/ن بمجموعة واسعة من الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد أظهرت المقابلات التي أجرتها رابطة تآزر للضحايا وشبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة أن آثار هذا الحرمان لم تقتصر على الجانب القانوني، وإنما امتدت إلى مختلف جوانب الحياة اليومية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والتنقل والملكية والتسجيل المدني.

  1. الحق في التعليم:

شكّل التعليم أحد أكثر الحقوق تأثراً بحالة انعدام الجنسية. فقد واجه العديد من مكتومي القيد صعوبات في الالتحاق بالمدارس أو الاستمرار فيها بسبب غياب الوثائق الرسمية المطلوبة للتسجيل أو عدم القدرة على الحصول على شهادات معترف بها.

وفي هذا السياق، قال روج أمين، وهو أحد مكتومي القيد من ريف المالكية/ديريك:

 “عندما ذهب طفلي إلى المدرسة ظهرت المشكلة ذاتها، طلبوا منا دفتر العائلة الذي لم نكن نملكه، كما طلبوا منا تقديم أي إثبات آخر، لكننا لم نكن نمتلكها أيضاً.”

كما اضطر بعض المتضررين/ات إلى ترك الدراسة مبكراً نتيجة إدراكهم/ن محدودية الفرص المتاحة أمامهم/ن في ظل غياب الاعتراف القانوني. ويشير ريزان محمد إلى أنه ترك المدرسة في سن مبكرة بسبب عدم قدرته على الحصول على شهادات تعليمية معترف بها أو الوصول إلى فرص عمل رسمية، واضطر إلى العمل لإعالة أسرته.

 

  1. الحق في الصحة:

أثّر انعدام الجنسية بشكل مباشر على قدرة المتضررين/ات على الوصول إلى الخدمات الصحية والتنقل لتلقي العلاج، خاصة في الحالات التي تتطلب السفر أو المراجعات الطبية خارج مناطق إقامتهم/ن.

وفي هذا السياق، روت إيفا حمو تجربة شخصية تعكس هذه المعاناة، وقالت:

 “تعرض والد زوجي لوعكة صحية، وكنت ممن سأرافقه، وقطعنا التذاكر، لكن لم يُسمح لي بمغادرة مطار القامشلي لأنني لا أملك هوية شخصية.”

كما أفاد شيار جمال بأن أسرته واجهت صعوبات كبيرة في نقل والده المصاب بالسرطان إلى دمشق للعلاج بسبب عدم امتلاك أفراد الأسرة وثائق ثبوتية، إضافة إلى المشكلات المرتبطة بدخول الفنادق والمرافق الصحية. وأشار أيضاً إلى أن ابنتيه تحتاجان إلى مراجعات طبية متكررة في دمشق، إلا أن وضعه القانوني كمكتوم القيد يحد من قدرته على مرافقتهما أثناء العلاج.

 

  1. حرية التنقل:

أدى غياب الوثائق الرسمية إلى فرض قيود فعلية على حرية التنقل داخل سوريا وخارجها، بما في ذلك التعرض للتوقيف والاستجواب وصعوبة السفر والوصول إلى الخدمات.

وفي هذا السياق، قال ريزان محمد:

 “في كل مرة كنا نرغب أن نزور أقاربنا في المالكية، كنا نواجه عدة مشاكل، حيث كنا نتعرض للتوقيف والاستجواب قبل أن يُسمح لنا بالسفر.”

كما أظهرت الشهادات أن القيود المفروضة على حرية التنقل استمرت بعد النزوح واللجوء، حيث واجه العديد من المتضررين/ات صعوبات إضافية في الحصول على الإقامة أو تسوية أوضاعهم/ن القانونية بسبب غياب الوثائق الثبوتية.

 

  1. الحق في الملكية والاستقرار الاقتصادي:

أدى الحرمان من الجنسية إلى تقييد قدرة مكتومي القيد على تسجيل الممتلكات وإدارة شؤونهم القانونية والاقتصادية بصورة مستقلة، الأمر الذي انعكس على الاستقرار الاقتصادي للأسر المتضررة وحماية حقوقها في الملكية.

وفي هذا السياق، قال شيركو موسى:

 “منازلنا في المناطق التي هُجّرنا منها ليست مسجلة بأسمائنا.”

كما أوضح محمد يوسف:

 “حتى بيتنا كان ولا يزال مكتوباً باسم والدتي لأنها كانت الوحيدة بيننا التي تملك الجنسية السورية.”

وتشير الشهادات إلى أن العديد من الأسر اضطرت إلى تسجيل ممتلكاتها بأسماء أقارب يحملون الجنسية السورية أو الامتناع عن تسجيلها بصورة رسمية، ما خلق أوضاعاً قانونية واقتصادية هشة استمرت لسنوات طويلة.

 

  1. تسجيل الزواج والولادات والاعتراف القانوني بالأسرة:

شكّل غياب التسجيل المدني أحد أكثر الآثار تعقيداً واستدامة، حيث أدى إلى تراكم مشكلات قانونية تمس العلاقات الأسرية والحقوق المرتبطة بها.

وفي هذا السياق، قالت نالين يزدا، وهي أرملة من فئة مكتومي القيد:

 “التحديات التي واجهتها تفاقمت بعد وفاة زوجي، لا سيما في ظل غياب دفتر عائلة يوثق زواجي وأطفالي.”

وتُظهر هذه الحالة كيف أدى غياب الاعتراف القانوني بالزواج والولادات إلى تعقيد أوضاع النساء والأطفال بصورة خاصة، وإلى خلق عقبات مستمرة أمام الوصول إلى الحقوق والخدمات الأساسية.

وتكشف الشهادات الواردة في هذا التقرير أن انعدام الجنسية كان سبباً في سلسلة مترابطة من القيود والانتهاكات التي مست مختلف جوانب الحياة اليومية، بما في ذلك التعليم والصحة والتنقل والملكية والتسجيل المدني. كما انتقلت آثار هذه السياسات إلى الأبناء والأحفاد، ما أدى إلى تكريس أنماط مستمرة من الإقصاء والتهميش القانوني والاجتماعي والاقتصادي امتدت لأكثر من ستة عقود.

 

ثانياً: تقييم تنفيذ المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026

تمثل المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026 خطوة مهمة نحو معالجة الآثار الممتدة للإحصاء الاستثنائي لعام 1962 وإنهاء عقود من انعدام الجنسية التي طالت مئات الآلاف من الكُرد في سوريا. وقد رحب العديد من الضحايا والمتضررين/ات بإطلاق عملية التسجيل باعتبارها فرصة طال انتظارها لاستعادة الجنسية السورية والاعتراف القانوني بحقوقهم/ن.

وفي الوقت نفسه، أظهرت أعمال الرصد الميداني والمقابلات التي أجرتها رابطة تآزر للضحايا وشبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة مجموعة من المؤشرات الإيجابية إلى جانب عدد من التحديات العملية والإجرائية التي ما تزال تؤثر على شمولية العملية وعدالتها وفعاليتها.

 

1) المؤشرات الإيجابية:

أظهرت عملية التسجيل عدداً من المؤشرات الإيجابية التي حظيت بترحيب واسع من المتضررين/ات. فقد ساهم افتتاح مراكز مخصصة لاستقبال الطلبات في إتاحة الفرصة أمام آلاف الأشخاص للتقدم بطلبات الحصول على الجنسية، كما عكست أعداد الطلبات المسجلة خلال فترة قصيرة حجم الحاجة المتراكمة والرغبة الواسعة لدى المتضررين/ات في تسوية أوضاعهم/ن القانونية.

وأشارت غالبية المشاركين/ات في المقابلات إلى أن إجراءات التسجيل بدت أكثر سهولة مقارنة بالمحاولات السابقة المرتبطة بالحصول على الجنسية أو تسوية الأوضاع القانونية، كما أبدى عدد من الموظفين/ات والعاملين/ات في مراكز التسجيل مستوى من التعاون ساهم في تسهيل تقديم الطلبات والإجابة عن الاستفسارات الأساسية. وأسهمت هذه التطورات في تعزيز الثقة الأولية بالعملية وإيجاد حالة من الأمل لدى العديد من الأسر التي انتظرت لعقود فرصة حقيقية للحصول على الجنسية السورية.

وفي هذا السياق، أوضح محمد يوسف:

 “هذه المحاولة كانت الأسهل، المعاملة كانت حسنة وجيدة وخاصة أن الأشخاص الذين يعملون في المركز هم من أهل المنطقة وليسوا غرباء.”

 

2) التحديات العملية والإجرائية:

أ. إثبات الإقامة والروابط الأسرية:

رغم سهولة الإجراءات نسبياً مقارنة بالمحاولات السابقة، واجه عدد من المتقدمين/ات صعوبات مرتبطة باستكمال الوثائق المطلوبة لإثبات الإقامة أو الروابط الأسرية، خاصةً في حالات النزوح المتكرر أو فقدان الوثائق خلال سنوات النزاع. كما أدت عقود من عدم تسجيل الوقائع المدنية إلى تعقيد إثبات التسلسل العائلي لبعض الأسر، ولا سيما تلك التي تضم أفراداً من فئات قانونية مختلفة، مثل أجانب الحسكة ومكتومي القيد.

 

ب. أوضاع المقيمين/ات خارج سوريا:

برزت أوضاع السوريين/ات المقيمين/ات خارج البلاد باعتبارها إحدى أبرز القضايا التي أثارتها المقابلات وأعمال الرصد. فقد أفاد عدد من المشاركين/ات بأن التعليمات المعتمدة تتطلب الحضور الشخصي إلى مراكز التسجيل في سوريا، الأمر الذي يشكل عائقاً أمام آلاف الأشخاص المقيمين في إقليم كُردستان العراق وتركيا وأوروبا ودول أخرى.

وفي هذا السياق، قال دلوفان برازي، وهو مقيم في إقليم كُردستان العراق وحضر إلى سوريا لتقديم طلبه:

 “لا أملك أي معلومات حول موعد المقابلة النهائية، ولا أعرف إلى متى يجب أن أبقى في سوريا، وهذا قد يعرّضني لخسارة عملي.”

وأشارت المقابلات إلى أن تكاليف السفر، وصعوبات الدخول إلى سوريا، والالتزامات المرتبطة بالعمل أو الإقامة القانونية في بلدان اللجوء، حدّت من قدرة العديد من الأشخاص على الاستفادة من الإجراءات الحالية. كما ترتبط هذه التحديات بمخاوف بعض المقيمين/ات خارج البلاد من عدم القدرة على العودة إلى أماكن إقامتهم المعتادة أو استئناف أعمالهم بعد دخول سوريا لاستكمال الإجراءات.

وفي هذا السياق، أوضح شيركو موسى:

 “والدي يقيم في تركيا ويخشى العودة خوفاً من عدم تمكنه من المغادرة مجدداً.”

وتبرز هذه المعطيات الحاجة إلى اعتماد آليات أكثر مرونة تضمن وصول الأشخاص المقيمين/ات خارج سوريا إلى إجراءات التسجيل بصورة متكافئة، بما ينسجم مع الهدف الأساسي للمرسوم في معالجة أوضاع جميع المشمولين/ات به.

 

ج. غياب الشفافية والمعلومات الكافية:

أفاد عدد من المتقدمين/ات بأن المعلومات المتاحة ركزت بصورة أساسية على آلية تقديم الطلبات والوثائق المطلوبة، في حين بقيت المراحل اللاحقة من العملية أقل وضوحاً. وشملت التساؤلات المتكررة المدة المتوقعة لدراسة الطلبات، وطبيعة المقابلات الشخصية، وآليات اتخاذ القرار، والإجراءات اللاحقة للحصول على الوثائق المدنية بعد الموافقة على الطلبات.

في هذا السياق، قال شيار جمال:

 “نحن بانتظار إجراء المقابلة النهائية، لكن لا نملك أي معلومات حول طبيعة الأسئلة أو موعدها.”

كما أشار عدد من المشاركين/ات إلى محدودية المعلومات المتاحة بشأن الجوانب التنفيذية للعملية، بما في ذلك آلية عمل اللجان المكلفة بدراسة الطلبات وإجراء المقابلات، ومعايير عملها، والجدول الزمني المتوقع للمراحل اللاحقة. وأسهم هذا الغموض في خلق حالة من القلق وعدم اليقين لدى بعض المتقدمين/ات، خاصة بين المقيمين/ات خارج البلاد أو أولئك الذين يضطرون إلى تحمل تكاليف إضافية لمتابعة إجراءاتهم.

وأعرب بعض المتقدمين/ات عن مخاوف من الإعلان عن مواعيد المقابلات بصورة مفاجئة ودون منحهم/ن وقتاً كافياً للاستعداد، ولا سيما بالنسبة للمقيمين/ات خارج مناطقهم/ن الأصلية أو خارج سوريا.

 

د. تفاوت التطبيق بين المراكز:

شهدت مراكز التسجيل خلال الأسابيع الأولى من العملية إقبالاً كبيراً من المتقدمين/ات، ما أدى إلى ازدحام ملحوظ في بعض الفترات وزيادة أوقات الانتظار. ورغم نجاح اللجان في استقبال آلاف الطلبات خلال فترة زمنية قصيرة، أظهر حجم الطلبات المسجلة الحاجة إلى تعزيز الموارد والقدرة الاستيعابية للمراكز في حال استمرار العملية أو فتح جولات تسجيل إضافية مستقبلاً.

كما أظهرت المقابلات والملاحظات القانونية وجود تفاوت في بعض جوانب التطبيق بين المراكز المختلفة، سواء من حيث المعلومات المقدمة للمتقدمين/ات أو تفسير بعض المتطلبات الإجرائية والوثائق المطلوبة. وشملت أوجه التفاوت اختلاف التعليمات المتعلقة بحضور أفراد الأسرة أثناء التسجيل؛ ففي حين أُبلغ بعض المتقدمين/ات في عدد من المراكز بأن حضور رب الأسرة أو ممثل الأسرة يكفي لتقديم الطلب، اشترطت مراكز أخرى حضور جميع أفراد الأسرة المشمولين بالطلب. وأفاد مشاركون/ات بأن هذا التباين استمر حتى بعد الأسابيع الأولى من التسجيل، حيث صدرت أحياناً إجابات مختلفة بشأن المتطلبات ذاتها من موظفين يعملون في المركز نفسه، ما أسهم في خلق حالة من الإرباك وعدم اليقين لدى بعض المتقدمين/ات.

ورغم أن هذه التباينات لم تمس جوهر العملية، فإنها تعكس الحاجة إلى اعتماد تعليمات تنفيذية موحدة ومعلنة بصورة واضحة، وتوفير إرشادات متسقة لجميع المراكز والعاملين فيها، بما يحد من الاجتهادات الفردية ويعزز المساواة في الوصول إلى الإجراءات.

 

ه. تصنيف بعض المتقدمين/ات الكُرد بصفة «عرب سوريين» في استمارات التسجيل:

وثّقت شبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة، من خلال متابعاتها الميدانية في مراكز تقديم طلبات الحصول على الجنسية السورية في محافظة الحسكة، حالات متكررة جرى فيها تسجيل متقدمين/ات كُرد في استمارات التقديم الرسمية تحت صفة «عربي سوري» من قبل موظفين في وزارة الداخلية التابعة للحكومة السورية الانتقالية، رغم أن المرسوم رقم (13) لعام 2026 نصّ على الاعتراف بالكُرد كجزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وعلى حماية هويتهم الثقافية واللغوية، وإلغاء آثار السياسات التمييزية المرتبطة بإحصاء عام 1962.

وأثارت هذه الممارسة استياءً ومخاوف واعتراضات لدى عدد من المتقدمين/ات، باعتبارها لا تنسجم مع الغاية التي صدر من أجلها المرسوم، والمتمثلة في معالجة آثار السياسات والإجراءات التمييزية السابقة وإنصاف المتضررين/ات منها. كما رأى عدد من المتضررين/ات أن استخدام هذا التصنيف يتعارض مع حق الأفراد في التعبير عن هويتهم والانتماء الذي يعرّفون أنفسهم من خلاله.

وفي أعقاب جهود الرصد والمناصرة التي قادها المتضررون/ات، بما في ذلك شبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة، جرى التواصل مع الجهات المعنية لمعالجة هذه الإشكالية. ووفقاً للمعلومات التي تم توثيقها خلال فترة إعداد هذا التقرير، تمّ التوقف عن استخدام هذا التصنيف واعتماد وصف «سوري» في إجراءات التسجيل والوثائق ذات الصلة، الأمر الذي ساهم في الحد من المخاوف التي أثيرت بشأن هذه المسألة وتعزيز الثقة بعملية التنفيذ.

 

و. ضيق المهلة الزمنية ومحدودية التوعية:

أشار عدد من المشاركين/ات إلى أن الفترة الفاصلة بين الإعلان عن بدء استقبال الطلبات وبدء التنفيذ الفعلي كانت قصيرة نسبياً، الأمر الذي حدّ من قدرة بعض المشمولين/ات بالمرسوم على ترتيب أمور السفر أو الحصول على إجازات من العمل أو استكمال الوثائق المطلوبة، ولا سيما بالنسبة للمقيمين/ات خارج مناطقهم/ن الأصلية أو خارج سوريا.

ورغم تمديد فترة التسجيل لاحقاً، رأى بعض المشاركين/ات أن ضيق المهلة الزمنية حدّ أيضاً من فرص تنفيذ حملات توعية أوسع لشرح الإجراءات والمتطلبات والمراحل اللاحقة للعملية.

 

ز. أوضاع كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة:

أظهرت الزيارات الميدانية أن بعض كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة واجهوا صعوبات إضافية في الوصول إلى مراكز التسجيل أو الانتظار لفترات طويلة لاستكمال الإجراءات، في ظل محدودية الترتيبات المخصصة للفئات الأكثر هشاشة. ورغم الجهود التي بذلها العاملون في بعض المراكز لتسهيل الإجراءات، ما تزال الحاجة قائمة لاعتماد تدابير أكثر وضوحاً تضمن وصول هذه الفئات إلى الخدمات بصورة ميسرة وكريمة.

 

ح. مخاطر الاستغلال المالي والوساطة:

وثقت المقابلات عدداً من الحالات التي دفعت فيها مبالغ متفاوتة للحصول على بعض الوثائق المطلوبة من المخاتير، إضافة إلى ورود معلومات حول عروض غير قانونية قدمها سماسرة أو وسطاء لأشخاص مقيمين/ات خارج البلاد مقابل مبالغ مالية مرتفعة، بزعم تسهيل التسجيل أو استكمال الإجراءات دون الحضور الشخصي.

وفي هذا السياق، قال دلشير رمو:

 “طلب بعض المخاتير 60 ألف ليرة سورية للورقة الواحدة، قبل أن أتمكن من الحصول عليها مقابل 35 ألف ليرة.”

كما قال محمد يوسف:

 “تلقى والدي عرضاً لتسجيل أوراقه مقابل ألف دولار أمريكي دون الحاجة إلى حضوره الشخصي.”

ورغم عدم وجود مؤشرات على أن هذه الممارسات تشكل نمطاً عاماً في جميع المناطق، فإن استمرارها يثير مخاوف تتعلق بالنزاهة وتكافؤ الفرص، ويؤكد الحاجة إلى تعزيز الرقابة على الإجراءات المرتبطة بالتسجيل، وتوفير قنوات رسمية وشفافة للحصول على المعلومات والخدمات المطلوبة، بما يحد من مخاطر الاستغلال المالي والوساطة غير القانونية.

 

ثالثاً: التقييم القانوني والحقوقي

تمثل المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026 تطوراً مهماً في معالجة الآثار المترتبة على الإحصاء الاستثنائي لعام 1962، وتشكل، من حيث المبدأ، إطاراً قانونياً لإعادة الجنسية إلى فئة واسعة من الكُرد الذين حُرموا منها لعقود طويلة. كما توفر أساساً لمعالجة أوضاع مكتومي القيد وتمكينهم من استعادة الاعتراف القانوني والحقوق المرتبطة بالمواطنة.

وتشير المعطيات التي جُمعت خلال إعداد هذا التقرير إلى وجود توافق عام بين الهدف الذي نصت عليه المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026 والإجراءات المتخذة لتنفيذه. ومع ذلك، أظهرت أعمال الرصد وجود فجوة بين الإطار القانوني وآليات التنفيذ في بعض الجوانب الإجرائية، انعكست في تفاوت التطبيق بين المراكز، واختلاف بعض المتطلبات العملية، ومحدودية المعلومات المتاحة للمتقدمين حول مراحل العملية ومعاييرها.

كما أظهرت المقابلات والملاحظات القانونية أن غياب تعليمات تنفيذية منشورة ومتاحة للجمهور بصورة واضحة أفسح المجال لاجتهادات مختلفة في تفسير بعض الإجراءات والوثائق المطلوبة، الأمر الذي قد يؤثر على مستوى الوضوح واليقين القانوني بالنسبة للمتقدمين.

وبحسب المعلومات المتاحة خلال فترة إعداد هذا التقرير، يُفترض أن تُعلن اللجنة المركزية نتائج قبول أو رفض الطلبات بعد استكمال دراسة الملفات والمقابلات، مع إمكانية الطعن في القرارات الصادرة أمام المحكمة الإدارية في دمشق. ورغم أهمية وجود مسار قضائي للمراجعة، فإن تركّز إجراءات الطعن في العاصمة قد يفرض أعباء إضافية على المتقدمين/ات القادمين/ات من محافظة الحسكة أو من مناطق أخرى بعيدة، بما في ذلك تكاليف السفر والإقامة والمتابعة القانونية، وهو ما قد يؤثر عملياً على قدرة بعض الفئات الأكثر هشاشة على الاستفادة الفعلية من حقها في المراجعة والطعن.

ومن منظور حقوقي، تبرز أهمية ضمان الوصول المتكافئ إلى إجراءات التسجيل لجميع الأشخاص المشمولين بالمادة الرابعة من المرسوم رقم (13) دون تمييز. وفي هذا السياق، تثير التحديات التي تواجه المقيمين/ات خارج سوريا، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، مخاوف تتعلق بقدرة بعض الفئات على الاستفادة من الإجراءات بالشروط نفسها المتاحة لغيرها. كما أن التكاليف المرتبطة بالسفر أو استكمال بعض الوثائق قد تشكل عائقاً إضافياً أمام الوصول الفعلي إلى الحقوق التي يهدف المرسوم إلى تكريسها.

وتؤكد هذه المعطيات أهمية اعتماد إجراءات أكثر وضوحاً واتساقاً، وتعزيز الشفافية في مختلف مراحل التنفيذ، وتوفير ضمانات عملية تكفل وصول جميع الفئات المشمولة إلى الإجراءات بصورة عادلة ومتساوية، بما ينسجم مع الغاية الأساسية للمادة الرابعة من المرسوم رقم (13) ومبادئ المساواة وعدم التمييز وسيادة القانون.

 

رابعاً: الاستنتاجات

تمثل المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026 فرصة تاريخية لمعالجة أحد أكثر ملفات انعدام الجنسية تعقيداً واستمراراً في سوريا، وإنهاء الآثار المترتبة على السياسات الاستثنائية التي حرمت مئات الآلاف من الكُرد من الجنسية لعقود طويلة.

وقد أظهرت عملية التسجيل إقبالاً واسعاً من المتضررين/ات، إلى جانب مؤشرات إيجابية تمثلت في إطلاق مراكز مخصصة لاستقبال الطلبات، وتبسيط الإجراءات مقارنة بالمحاولات السابقة، ووجود مستوى من التعاون في عدد من مراكز التسجيل، الأمر الذي أسهم في تعزيز الأمل بإمكانية استعادة الحقوق القانونية والمدنية المرتبطة بالمواطنة.

وفي المقابل، أظهرت أعمال الرصد الميداني والمقابلات أن عدداً من التحديات ما يزال يؤثر على قدرة بعض الفئات على الوصول إلى الإجراءات والاستفادة منها بصورة متكافئة، بما في ذلك الصعوبات المرتبطة بإثبات الإقامة والروابط الأسرية، وأوضاع المقيمين/ات خارج سوريا، ومحدودية المعلومات المتاحة حول مراحل التنفيذ، وتفاوت بعض الممارسات الإجرائية بين المراكز، إضافة إلى مخاطر الاستغلال المالي والوساطة غير القانونية.

وتشير نتائج التقرير إلى أن تحقيق الأهداف التي تقوم عليها المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026 يرتبط بقدرة الجهات المعنية على ضمان وصول جميع الأشخاص المشمولين إلى الإجراءات بصورة عادلة ومتساوية، وتوفير معلومات واضحة وشفافة حول مختلف مراحل التنفيذ، ومعالجة العقبات التي تواجه الفئات الأكثر عرضة للإقصاء.

كما تبرز أهمية اتخاذ خطوات تضمن تسوية الآثار القانونية والمدنية المتراكمة الناتجة عن عقود من انعدام الجنسية، بما يشمل الحصول على الوثائق الثبوتية وتسجيل الوقائع المدنية والتمتع الكامل بالحقوق المرتبطة بالمواطنة.

وتؤكد المعطيات الواردة في هذا التقرير أن نجاح تنفيذ المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026 لا يقاس بفتح باب التسجيل فحسب، وإنما بقدرة الدولة على ضمان وصول جميع المتضررين/ات إلى الإجراءات بصورة متكافئة، ومعالجة الآثار القانونية والمدنية المتراكمة لعقود من انعدام الجنسية.

وتمثل استعادة الجنسية محطة أساسية في هذا المسار، إلا أن تحقيق أثرها الفعلي يتطلب استكمال الجهود الرامية إلى تمكين المتضررين/ات من الوصول إلى حقوقهم على قدم المساواة، بما يعزز الثقة بالمؤسسات العامة ويرسخ مبادئ المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

 

التوصيات:

إن معالجة قضية الكُرد مكتومي القيد تمثل خطوة أساسية نحو إنهاء واحدة من أبرز حالات الحرمان التاريخي من الحقوق في سوريا. ويشكل التنفيذ الشامل والعادل والشفاف للمادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026 فرصة مهمة لمعالجة آثار عقود من انعدام الجنسية وتعزيز المساواة أمام القانون وترسيخ مبادئ المواطنة والعدالة وعدم التمييز.

واستناداً إلى نتائج الرصد الميداني، والمقابلات مع الضحايا والمتضررين/ات، والتحليل القانوني والإجرائي الوارد في هذا التقرير، توصي رابطة تآزر للضحايا وشبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة بما يلي:

أولاً: إلى الحكومة السورية
  1. ضمان استمرار الجهود الرامية إلى معالجة أوضاع جميع الأشخاص المشمولين بالمادة الرابعة من المرسوم رقم (13) لعام 2026، بما يكفل وصولهم إلى إجراءات استعادة الجنسية بصورة عادلة ومتساوية.
  2. اعتماد ترتيبات خاصة تتيح للأشخاص المقيمين/ات خارج سوريا استكمال إجراءات التسجيل واستعادة الجنسية دون تحمل أعباء أو مخاطر غير مبررة.
  3. اتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة الآثار القانونية والمدنية المتراكمة الناتجة عن عقود من انعدام الجنسية، بما يشمل تسجيل الوقائع المدنية وتسهيل الحصول على الوثائق الرسمية والخدمات العامة.
  4. ضمان مراعاة احتياجات الفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة والنساء المعيلات للأسر، خلال مختلف مراحل تنفيذ المرسوم.
  5. تعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة في تنفيذ المرسوم ونشر المعلومات المتعلقة بالإجراءات بصورة منتظمة ومتاحة للجمهور.
ثانياً: إلى وزارة الداخلية والجهات المعنية بالتنفيذ
  1. نشر تعليمات تنفيذية وإجرائية واضحة ومفصلة تتضمن شروط التسجيل والوثائق المطلوبة ومراحل دراسة الطلبات وآليات الطعن أو المراجعة إن وجدت.
  2. توحيد إجراءات العمل بين جميع مراكز التسجيل وتوفير إرشادات مكتوبة للعاملين بما يحد من التباينات والاجتهادات الفردية.
  3. توفير قنوات رسمية ومحدثة لنشر المعلومات والرد على استفسارات المتقدمين والمتقدمات، خاصة فيما يتعلق بالمقابلات الشخصية والجدول الزمني المتوقع لاستكمال الإجراءات.
  4. دراسة آليات تتيح للمقيمين/ات خارج سوريا تقديم الطلبات أو استكمال بعض الإجراءات عبر السفارات أو القنصليات السورية أو من خلال ترتيبات إدارية بديلة.
  5. تعزيز الرقابة على إجراءات التسجيل والتحقق من الشكاوى المتعلقة بالاستغلال المالي أو فرض رسوم غير قانونية على المتقدمين/ات.
  6. اتخاذ إجراءات تيسيرية للفئات الأكثر عرضة للصعوبات في الوصول إلى مراكز التسجيل، بما في ذلك كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة.
  7. اعتماد آلية واضحة ومعلنة لتلقي الشكاوى والتظلمات وطلبات مراجعة القرارات المتعلقة بطلبات استعادة الجنسية، بما يضمن توفير ضمانات فعالة للعدالة الإجرائية والشفافية.
  8. اعتماد تدابير واضحة لحماية البيانات الشخصية والوثائق المقدمة خلال عملية التسجيل، وضمان استخدامها وحفظها ومشاركتها بما يقتصر على الأغراض المرتبطة بتنفيذ المرسوم ووفقاً لمبادئ الخصوصية وحماية البيانات.
ثالثاً: إلى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية
  1. إدراج قضية الكُرد مكتومي القيد وضحايا انعدام الجنسية ضمن أولويات مسارات العدالة الانتقالية الوطنية بوصفها إحدى القضايا المرتبطة بالتمييز والحرمان التاريخي من الحقوق.
  2. ضمان المشاركة الهادفة للضحايا والمتضررين/ات ومنظماتهم ومبادراتهم المجتمعية في النقاشات والسياسات المتعلقة بمعالجة آثار الإحصاء الاستثنائي لعام 1962.
  3. تضمين قضايا استعادة الجنسية وجبر الضرر القانوني والإداري ضمن برامج وسياسات العدالة الانتقالية والإصلاح المؤسسي.
  4. إجراء مشاورات دورية مع الضحايا ومنظمات المجتمع المدني المتخصصة لضمان أن تعكس السياسات والتوصيات الوطنية احتياجاتهم وأولوياتهم.
  5. توثيق الدروس المستفادة من تنفيذ المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) والاستفادة منها في تصميم سياسات أوسع لمعالجة آثار الانتهاكات التاريخية وضمان عدم تكرارها.
رابعاً: إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة
  1. دعم الجهود الرامية إلى إنهاء حالات انعدام الجنسية في سوريا بما يتوافق مع المعايير الدولية ذات الصلة.
  2. تشجيع السلطات السورية على ضمان تنفيذ المرسوم رقم (13) بصورة شاملة وعادلة وشفافة لجميع المشمولين به.
  3. تقديم الدعم الفني والمؤسسي لتطوير أنظمة التسجيل المدني ومعالجة الآثار القانونية والإدارية المترتبة على عقود من انعدام الجنسية.
  4. دعم المبادرات التي تعزز مشاركة الضحايا والمتضررين في النقاشات والسياسات المرتبطة بالعدالة الانتقالية والإصلاح القانوني.
  5. مواصلة مراقبة أوضاع الأشخاص المتأثرين بانعدام الجنسية في سوريا وإدراج هذه القضية ضمن الحوارات والبرامج الحقوقية ذات الصلة.
  6. دعم منظمات المجتمع المدني السورية العاملة على توثيق أوضاع ضحايا انعدام الجنسية وتمكينهم والدفاع عن حقوقهم.
خامساً: إلى منظمات المجتمع المدني ومجموعات الضحايا
  1. مواصلة رصد وتوثيق تنفيذ المادة الرابعة من المرسوم رقم (13) وتحديد التحديات والثغرات التي قد تظهر خلال المراحل اللاحقة من العملية.
  2. تقديم الدعم القانوني والمعلوماتي للأشخاص المتقدمين بطلبات استعادة الجنسية، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة.
  3. تعزيز التوعية المجتمعية بالإجراءات والحقوق المرتبطة باستعادة الجنسية والآثار القانونية المترتبة عليها.
  4. دعم مشاركة ضحايا انعدام الجنسية في النقاشات العامة والعمليات المرتبطة بالعدالة الانتقالية والإصلاح القانوني.
  5. تطوير مبادرات مشتركة لرصد أوضاع المقيمين خارج سوريا والدفاع عن حقهم في الوصول إلى إجراءات استعادة الجنسية على قدم المساواة مع المقيمين داخل البلاد.
  6. تعزيز التنسيق بين المنظمات الحقوقية والمبادرات التي يقودها الضحايا بهدف تطوير أجندة مشتركة للدفاع عن حقوق ضحايا انعدام الجنسية ومعالجة الآثار الممتدة لهذه القضية.

 


لمزيد من المعلومات، يمكنكم/ن زيارة الموقع الإلكتروني لشبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة، أو التواصل مباشرةً عبر:

  • الهاتف (واتس آب/سغنال): 009647510483382
  • البريد الإلكتروني: contact@nsvh.network

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق اقرا المزيد