تشهد مناطق شمال شرق سوريا تصعيداً عسكرياً وأمنياً خطيراً، ترافق مع تدهور إنساني متسارع، أسفر خلال أيام قليلة عن موجة نزوح واسعة من مدينتي الرقة والطبقة باتجاه محافظة الحسكة، ولا سيما مدينتي الحسكة والقامشلي.
وبحسب معطيات ميدانية موثّقة، تجاوز عدد النازحين/ات 25,000 شخص خلال أقل من يومين، من بينهم أكثر من 20 ألفاً وصلوا إلى مدينتي الحسكة والقامشلي. وصلت هذه العائلات في ظروف إنسانية شديدة القسوة، في ظل نقص حاد في المأوى، والغذاء، والمساعدات الإنسانية، والخدمات الأساسية، ما يعرّضها لمخاطر صحية ومعيشية جسيمة.
نزوح متكرر وهشاشة مضاعفة:
تشير المعطيات الميدانية إلى أن نسبة كبيرة من الأسر النازحة سبق أن تعرّضت للتهجير القسري أكثر من مرة خلال السنوات الماضية، ولم تتمكن من العودة إلى مناطق سكنها الأصلية، ولا سيما المهجّرين/ات من منطقة عفرين. هذا النزوح المتكرر فاقم هشاشتهم/ن الاقتصادية والاجتماعية، واستنزاف قدراتهم/ن على التكيّف، وزيادة من تعقيد احتياجاتهم/ن الإنسانية.
وتضم الأسر النازحة أعداداً كبيرة من الأطفال والنساء وكبار السن، ما يرفع مستوى المخاطر الصحية، ويزيد من احتمالات انتشار الأمراض وسوء التغذية، خصوصاً في ظل الاكتظاظ، وتشتت أماكن النزوح، وضعف القدرة على توفير استجابة إنسانية سريعة وشاملة.
أوضاع مراكز الإيواء:
يتركّز النازحون/ات حالياً في 111 مركز إيواء جماعي ضمن محافظة الحسكة، موزعة على النحو الآتي: 18 مركزاً في مدينة الحسكة، و77 في القامشلي، و10 في ديرك، و5 مراكز في عامودا، بالإضافة إلى مركز واحد في تل حميس.
وتُدار هذه المراكز داخل مدارس ومبانٍ عامة غير مهيأة للسكن طويل الأمد، ما أدى إلى اكتظاظ شديد، وانعدام الخصوصية، ونقص حاد في المياه والكهرباء والمرافق الصحية، إضافة إلى تعطيل العملية التعليمية والخدمات العامة.
وفي الوقت نفسه، تستضيف عائلات من المجتمع المحلي أعداداً كبيرة من الأسر النازحة، رغم أوضاعها الاقتصادية الصعبة، ما يشكل ضغطاً إضافياً على موارد محدودة أصلاً، ويُصعّب عملية حصر الأعداد وتقييم الاحتياجات بدقة.
تواجه الأسر النازحة نقصاً حاداً في:
- الغذاء والمواد غير الغذائية الأساسية.
- المأوى، الفرش، والأغطية.
- الخدمات الصحية، بما في ذلك الأدوية، ورعاية الحوامل، والأطفال، ومرضى الأمراض المزمنة.
- المياه والكهرباء والمرافق الصحية، حيث تفتقر معظم مراكز الإيواء إلى الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة، مع حاجة ملحّة لتأمين خزانات مياه بشكل عاجل.
سياق عسكري مقلق وخطر على المدنيين:
يأتي هذا النزوح في سياق تصاعد العمليات العسكرية والاشتباكات بين قوات الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وما يرافق ذلك من قصف، تهديدات أمنية، واستهداف مباشر أو غير مباشر للمناطق المدنية. وقد أدت هذه التطورات إلى حالة خوف واسعة بين السكان، ودَفعت آلاف المدنيين/ات إلى الفرار بحثاً عن الأمان.
ولا تزال مئات العائلات عالقة في مناطق خطرة وغير قادرة على المغادرة، في ظل غياب ممرات آمنة، وتدهور الوضع الأمني. كما وثّقت مصادر ميدانية تعرّض قوافل تقل نازحين/ات لهجمات، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، وأدّت إلى موجات نزوح ثانوية داخل المحافظة.
حصار فعلي وقطع خدمات أساسية:
تشير الوقائع الميدانية إلى أن محافظة الحسكة ومدينة كوباني شمال البلاد تعيشان أوضاعاً قريبة من الحصار، وسط مخاوف جدية من تصعيد عسكري إضافي. كما تم تسجيل قطع للمياه والكهرباء عن مدينة كوباني، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، ورفع مستوى المخاطر على المدنيين/ات، ولا سيما الأطفال وكبار السن والمرضى.
وفي هذا السياق، تستضيف محافظة الحسكة أساساً عشرات آلاف المهجّرين/ات قسراً من رأس العين/سري كانيه وعفرين، بمن فيهم المقيمون في مخيمي «واشو كاني/التوينة» و«سري كانيه/الطلائع» في الحسكة، اللذين يؤويان أكثر من 25,000 شخص، إضافة إلى عدد كبير من مراكز الإيواء الجماعي. كما تحتضن المحافظة آلاف النازحين/ات والمهجّرين/ات من تل أبيض والرقة والطبقة، ما يفاقم الضغط على الموارد والخدمات المحدودة أصلاً.
مخاوف وجودية لدى سكان الحسكة وكوباني:
يثير هذا التصعيد العسكري مخاوف عميقة لدى سكان الحسكة وكوباني، ولا سيما الكُرد وباقي المكونات الدينية والإثنية، من احتمال دخول قوات حكومية تورّطت سابقاً في انتهاكات جسيمة ومجازر في مناطق سورية متعددة، من بينها الأحياء الكُردية في مدينة حلب، إضافة إلى انتهاكات سُجّلت خلال العمليات العسكرية الجارية في شمال شرق سوريا.
وتتفاقم هذه المخاوف مع التقارير المتزايدة عن فرار مئات من عناصر تنظيم داعش من مراكز الاحتجاز، بالتزامن مع التصعيد العسكري في الرقة والحسكة ودير الزور، ما يثير خشية جدية من استهداف المدنيين/ات على أساس الهوية، ووقوع عمليات قتل جماعية بحق الأقليات الدينية والإثنية، على غرار ما حصل في مجازر الساحل والسويداء.
انتهاكات جسيمة موثّقة:
تفيد معطيات موثّقة بوقوع انتهاكات جسيمة بحق المدنيين/ات خلال العمليات العسكرية، سواء في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، أو في مناطق شمال شرق سوريا. وتشمل هذه الانتهاكات الإهانات العلنية، والتهديد، والاعتقال التعسفي، والمعاملة المهينة، وذلك استناداً إلى إفادات شهود ومقاطع مصوّرة جرى التحقق منها.
كما أسفرت العمليات العسكرية عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين، بينهم نساء وأطفال.
وتواصل رابطة تآزر للضحايا التحقق من نحو 500 حالة فقدان أو إخفاء قسري، من بينهم 28 امرأة، لا تزال مصائرهم/ن مجهولة حتى تاريخه، في ظل غياب أي معلومات رسمية بشأن أماكن وجودهم/ن أو مصيرهم/ن، وغياب قنوات تواصل تمكّن العائلات من الحصول على معلومات حول أبنائهم وبناتهم.
تندرج هذه الوقائع في سياق عمليات عسكرية بدأت بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير 2026 في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، وانتهت بسيطرة “الجيش السوري” التابع للحكومة السورية الانتقالية على الحيّين ذوي الغالبية الكُردية بتاريخ 10 كانون الثاني/يناير، بعد مواجهات مع قوات الأمن الداخلي (الأسايش) التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.
لاحقاً، امتدّت العمليات العسكرية إلى مناطق شمال شرق سوريا، ولا تزال تداعياتها مستمرة، ورغم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير 2026، تشير المعطيات المتوفرة إلى فشل الاتفاق عملياً بعد اجتماع عُقد في دمشق في اليوم التالي.
خلاصات قانونية وتوصيات:
في ضوء الانتهاكات الجسيمة الموثّقة، وما تكشفه من أنماط متكررة ومنهجية، تعكس هذه الوقائع خللاً بنيوياً خطيراً في احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. وعليه، نؤكد على ما يلي:
- الوقف الفوري وغير المشروط لإطلاق النار، وإعطاء الأولوية القصوى لحماية المدنيين/ات والمرافق المدنية.
- الوقف الفوري لجميع الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين/ات.
- ضمان الحماية من الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، واحترام الكرامة الإنسانية في جميع الظروف.
- فتح تحقيقات مستقلة وشفافة وذات مصداقية في جميع الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها دون استثناء.
- الكشف الفوري عن مصير جميع المفقودين/ات والمحتجزين/ات، وتزويد عائلاتهم بمعلومات واضحة ومنتظمة.
- الإدانة الصريحة للحصار وقطع المياه والكهرباء، ورفض استخدام الخدمات الأساسية كأداة ضغط أو عقاب جماعي، وضمان إعادة تشغيل خدمات المياه والكهرباء دون أي قيود.
- إشراك ممثلي السكان/ات بشكل فعلي في أي ترتيبات أمنية أو إدارية تمس حياتهم وحقوقهم.
- توفير حماية خاصة للكُرد وباقي المكونات المعرّضة لخطر الانتهاكات الجسيمة، وضمان احترام حقوقهم الأساسية.
إننا نحذّر من أن استمرار التصعيد العسكري الحالي قد يقود إلى عمليات تهجير قسري واسعة، وتطهير عرقي، وانفجار صراعات أهلية تهدد عموم المنطقة.
وندعو جميع الأطراف المنخرطة في التصعيد، وعموم السوريين/ات، ووسائل الإعلام والصحفيين/ات بشكل خاص، إلى نبذ خطاب الكراهية والتحريض والعنف، وتغليب الحلول السلمية والحوار، باعتبارها السبيل الوحيد لحماية المدنيين، وصون العيش المشترك، والحفاظ على السلم الأهلي في شمال شرق سوريا وفي البلاد عموماً.
