الملخص التنفيذي:
تقدّم هذه الورقة التحليلية خلاصة مركّزة لمخرجات مبادرة “مساحة عدالة”، إحدى مبادرات رابطة تآزر للضحايا، بوصفها مساحة استماع وتحليل سعت إلى إعادة وضع الضحايا في قلب التفكير بالعدالة الانتقالية في سوريا، مع تركيز خاص على واقع شمال وشرق البلاد، بما يحمله من نزوح، وتعدّد سلطات، وضعف في ضمانات الحماية.
تنطلق الورقة من فرضية أساسية مفادها أنّ العدالة ليست مجموعة شعارات أو هياكل مؤسساتية فحسب، بل علاقة اجتماعية وسياسية تُختبر بقدرتها على تحويل الألم إلى حقوق قابلة للتحصيل، وعلى نقل الضحية من موقع “الموضوع” الذي يُتحدَّث عنه، إلى موقع الشريك في تحديد المعنى وصنع القرار.
اعتمدت الورقة منهجية تركيبية جمعت بين استبيان موجّه للضحايا وذويهم/ن، وجلسة نقاش حول مفهوم مركزية الضحايا، ومقابلات معمّقة مع فاعلين وفاعلات محليين/ات. وأظهرت المخرجات ثلاث استنتاجات رئيسية شكّلت الإطار الناظم للتحليل:
أولاً، يتضح أن مفهوم “الإنصاف” لدى عدد كبير من الضحايا يبدأ من استعادة مقومات العيش الأساسية: مثل السكن، والملكية، والعودة الآمنة، وجبر الضرر الاقتصادي. ويعتبر الضحايا هذه المطالب جوهر الحق نفسه، لا تفاصيل هامشية، لأنها ترتبط مباشرةً بقدرتهم على مواصلة الحياة بعد ما تعرضوا له من انتهاكات.
ثانياً، لا يقتصر مطلب الحقيقة والمساءلة على المحاكمات وحدها. إذ يبرز كشف مصير المفقودين/ات والمغيبين/ات قسراً بوصفه جرحاً مفتوحاً وزمناً معلّقاً في حياة العائلات، فيما تُفهم المحاسبة كمعيار عام يحدّ من الانتقائية ويكسر منطق الإفلات من العقاب. كما تُظهر المخرجات ميلاً واضحاً نحو نماذج مساءلة مختلطة، تجمع بين المقاربات المحلية، ومركزية الضحايا، والالتزام بالمعايير والضمانات الدولية.
ثالثاً، تُعدّ فجوة الثقة العائق البنيوي الأثقل أمام أي مسار عدالة. فالمشاركة لا تتحقق بمجرد الدعوة إليها، بل تحتاج إلى منظومة حماية واضحة، وشرعية تمثيل، وشفافية في المسار. الضحايا لا يتخذون قرار المشاركة في فضاء آمن ومحايد، بل ضمن بيئة مخاطرة، ما يجعل الأمان والوضوح شرطين سابقين لأي انخراط فعلي.
بناءً على ذلك، تخلص الورقة إلى أن الوصول لمسار عدالة انتقالية حقيقي يتطلب تحقيق توازن عملي بين ثلاث دوائر مترابطة: إجراءات تُعيد الحقوق المادية وتمنع تكريس نتائج الانتهاكات، ومسارات للحقيقة والمساءلة قادرة على إنتاج اعتراف غير قابل للتلاعب، وبنية مشاركة تضمن الأمان وتوفّر تمثيلاً شرعياً ومؤثراً للضحايا.
وتُترجم هذه الخلاصة إلى حزمة توصيات تنفيذية تركّز على: ترسيخ مركزية الضحايا كمنظومة حوكمة لا كشعار، وبناء بروتوكولات أمان وسرية، وتصميم مسارات شهادات واضحة مع تغذية راجعة، وإعطاء أولوية لملف المفقودين/ات، ودعم نماذج مساءلة مختلطة محمية بالمعايير، ووضع السكن والملكية والعودة وجبر الضرر الاقتصادي في صلب سياسات جبر الضرر، مع اعتماد لامركزية مُدارة بوحدة معايير تمنع إعادة إنتاج التهميش، خاصة بحق النساء والأقليات.
في جوهرها، لا تقترح الورقة “صيغة مثالية” للعدالة بقدر ما تقترح شرطها الواقعي: عدالة يمكن للضحايا أن يثقوا بها، وأن يلمسوا أثرها في حياتهم، وأن يكونوا جزءاً من تشكيلها ومراقبتها، لا مجرد أسماء تُستدعى لتزيين المسارات.
منهجية التقرير:
تعتمد هذه الورقة منهجية تركيبية تجمع بين أدوات كمية ونوعية، بهدف بناء فهم أولويات الضحايا واحتياجاتهم وشروط مشاركتهم في مسارات العدالة الانتقالية. لا تهدف المنهجية إلى إنتاج أرقام تمثيلية دقيقة، بل إلى التقاط اتجاهات واضحة ومعانٍ عميقة مستمدة من تجربة الضحايا اليومية في سياق نزاع مستمر.
وشملت أدوات البحث:
- استبيان:
شمل 201 مشاركاً ومشاركة من الضحايا و/أو ذويهم/ن في مناطق شمال وشرق سوريا، وبعض سياقات النزوح المرتبطة بها. وصُمّم الاستبيان لالتقاط ثلاثة مستويات مترابطة:
- الخصائص العامة للمشاركين/ات وتجاربهم/ن مع الانتهاكات؛
- تصوراتهم/ن لأولويات العدالة الانتقالية والآليات التي يرونها أكثر جدوى؛
- احتياجاتهم/ن الحالية، ومعوّقات الوصول إلى الخدمات، وأشكال المشاركة التي يعتبرونها ممكنة وآمنة.
تُعرض بيانات الاستبيان بوصفها مؤشرات اتجاهية لا إحصاءات تمثيلية، نظراً لطبيعة العينة الميسّرة والقيود على الوصول في بيئة نزاع لم تُغلق ملفاتها بعد. ومع ذلك، تكشف النتائج عن أنماط قوية ومتكررة تتيح فهماً عملياً لأولويات هذه الجغرافيا.
- جلسة نقاش تفاعلية:
ولتجاوز حدود الأرقام وتفسيرها، استندت الورقة إلى جلسة نقاش تفاعلية؛ خُصّصت لمناقشة مفهوم “مركزية الضحايا” والتمييز بين المشاركة المؤثرة والتمثيل الشكلي. جمعت الجلسة مشاركين/ات من خلفيات مدنية وحقوقية، وركّزت على التحديات الجغرافية والسياسية، وأسباب فجوة الثقة بين الضحايا والمسارات المطروحة. وقد أتاحت هذه الجلسة بعداً تفسيرياً لديناميات النقاش والخلاف والتوافق كما تتشكل في الحوار الحي، لا كما تُعرض في النصوص الرسمي.
- مقابلات معمّقة:
كما شملت المنهجية إجراء 15 مقابلة معمّقة مع فاعلين وفاعلات محليين/ات، من حقوقيين/ات، وإعلاميين/ات، ومحامين/ات، وناشطين/ات مدنيين/ات. هدفت هذه المقابلات إلى فهم معنى العدالة في السياق المحلي، واستكشاف شروط الأمان والشرعية التي تجعل الشهادة ممكنة، إضافةً إلى تقييم الآليات المتاحة، ومقترحات النماذج المختلطة التي تجمع بين المحلي والدولي.
جرى تحليل المقابلات وفق منهج التحليل الموضوعاتي، مع التركيز على الأنماط المتكررة والتوترات الداخلية، مثل الرغبة في القرب المحلي مقابل الخوف من غياب الحماية، مع مراعاة الفروق بين الفئات وتجارب النزوح والتهجير وغيرها.
أخيراً، اعتمد دمج وتحليل الورقة على المقارنة والتقاطع بين أدوات البحث الثلاث: ما تقوله الأرقام، وما يظهره النقاش الجماعي، وما تضيفه السرديات الفردية من عمق ومعنى. يساعد هذا الدمج على تقديم صورة تفسيرية متماسكة توضح ما يمكن العمل عليه عملياً، وفي الوقت ذاته تُظهر حدود المعرفة المتاحة في سياق نزاع شديد التعقيد، دون ادعاء الشمول أو الاكتمال.
مقدّمة:
تأتي هذه الورقة التحليلية ضمن مبادرة “مساحة عدالة” كمحاولة عملية لإعادة طرح سؤال “العدالة الانتقالية في سوريا” من زاوية مختلفة: ليس بوصفها مفهوماً نظرياً أو مشروعاً مؤسساتياً يُناقَش في الدوائر السياسية والحقوقية، بل كسؤال يبدأ من حياة الضحايا اليومية. ماذا يعني الإنصاف لمن فقد بيته أو أرضه؟ كيف تُفهم العدالة لمن يعيش انتظار مصير شخص مفقود/ة أو مغيب/ة قسراً؟ وما قيمة أي مسار عدالة إذا لم ينعكس على الإحساس بالأمان والقدرة على الاستمرار في الحياة؟
ينطلق التقرير من إشكالية واضحة مفادها أن النقاش العام حول العدالة الانتقالية في سوريا ما يزال يُدار بدرجة عالية من المركزية، حيث تُصاغ السياسات والتصورات الأساسية بعيداً عن الواقع الاجتماعي والسياسي للمناطق الطرفية. هذا النمط يُضعف إمكان المشاركة الفعلية للضحايا وممثليهم، ويجعل أولويات مناطق مثل شمال وشرق سوريا هامشية في التعريف “الوطني” للعدالة، رغم اتساع نطاق الانتهاكات وتعدّد أطرافها في هذه الجغرافيا.
في هذا السياق، تتفاقم مخاطر العدالة الانتقائية حين يتم حصر مقاربة العدالة بانتهاكات طرف واحد وتجاهل بقية الانتهاكات، كما في مرسوم العدالة الانتقالية رقم (20) الذي ركّز حصراً على انتهاكات النظام السوري السابق، متجاهلاً واقع الانتهاكات متعددة الأطراف في شمال وشمال شرق سوريا. هذا الاستبعاد لا يعني فقط إغفال وقائع موثّقة، بل يؤدي عملياً إلى إقصاء شرائح واسعة من الضحايا عن أي مسار وطني للإنصاف والمساءلة، ويقوّض الثقة بالعملية برمّتها منذ بدايتها.
تُظهر مخرجات مبادرة مساحة عدالة أن أثر هذا الإطار السياسي لا يبقى في مستوى النصوص والسياسات، بل ينعكس مباشرة على الأرض بوصفه فجوة ثقة وشروط مشاركة صارمة. فالضحايا لا يسألون فقط عن طبيعة الآلية المقترحة، بل عن مدى استقلالها، وضمانات الأمان فيها، ووحدة المعايير التي تحكمها. ولهذا يبرز ميل واضح نحو نماذج مساءلة تجمع بين المقاربات المحلية، ومركزية الضحايا، والالتزام بالمعايير والضمانات الدولية.
ضمن هذا السياق، تُطرح اللامركزية بوصفها أداة لتوسيع الوصول والتمثيل، لا بوصفها بديلاً عن المعايير أو الاستقلالية. أي لامركزية مُدارة، بوحدة معايير ورقابة، تمنع تحوّل المحلية إلى محسوبيات أو مسارات ضعيفة، وتضمن في الوقت ذاته ألا تُدار العدالة من “مكان آخر” بعيد عن حياة الناس وتفاصيل الضرر.
من هنا، جاءت أدوات مبادرة مساحة عدالة الثلاث: الاستبيانات، وجلسة النقاش، والمقابلات المعمّقة، كوسيلة عملية لسد الفجوة بين تصميم مركزي للعدالة وتجربة محلية للانتهاك. هدفت هذه الأدوات إلى إنتاج معرفة قائمة على أصوات الضحايا أنفسهم، وترجمتها إلى أولويات واضحة وتوصيات قابلة للتطبيق، ضمن شروط حماية واستقلالية تمنع الانتقائية وتوسّع الشمول الجغرافي والسياسي.
تعتمد الورقة على مخرجات مؤشرات كمية وسرديات نوعية:
أولاً؛ تحليل 201 استبياناً من ضحايا و/أو ذوي ضحايا في شمال وشرق سوريا، بما يشمل الحسكة، القامشلي، الرقة، وبعض مناطق النزوح والمخيمات المرتبطة بها. شملت محاور ديمغرافية، طبيعة الانتهاكات، الجهات المسؤولة، أولويات العدالة الانتقالية، الاحتياجات الراهنة، معوّقات الوصول إلى الخدمات، أسئلة حول المشاركة، ورسائل للفاعلين وصنّاع القرار، مع التنبيه إلى أن العينة ميسّرة وليست ممثّلة إحصائياً، لكنها تكشف عن اتجاهات قوية ضمن هذه الجغرافيا.
ثانياً؛ جلسة نقاش بعنوان “مركزية الضحايا في مسارات العدالة الانتقالية” بمشاركة 24 شخصاً (من بينهم 14 امرأة)، وركّزت على الفرق بين المشاركة المؤثّرة والتمثيل الشكلي، وعلى تحديات الشمول الجغرافي والسياسي لضحايا شمال وشرق سوريا.
وثالثاً؛ 15 مقابلة معمّقة (من بينهم 8 نساء) قدّمت سرديات تفصيلية حول معنى العدالة كما يُفهم محلياً، شروط الثقة والأمان، حدود المسارات القائمة، والتوتر بين الرغبة في عدالة “قريبة من الناس” والخوف من آليات محلية تفتقر للاستقلال والمعايير.
تنظر هذه الورقة إلى العدالة بوصفها علاقة اجتماعية وسياسية، تُقاس بقدرتها على نقل المتضررين من موقع التلقّي إلى موقع الشراكة: شمول جغرافي، تمثيل شرعي، آليات استماع مستمرة، واعتراف واضح بالضرر وبالحقوق، مع أدوات قابلة للتطبيق تعيد بناء الثقة وتمنع تكرار الانتهاكات. وهي لا تسعى إلى تقديم تصور نظري مجرد، بل إلى بناء أساس عملي يمكن أن تستند إليه سياسات وبرامج عدالة انتقالية أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للحياة.
كما تأتي هذه الورقة كجزء من حملة مناصرة قائمة على الأدلة، تستهدف جمهوراً متعدداً يشمل الضحايا من الجنسين، وناشطين/ات في الشأن العام، وإعلاميين/ات وصنّاع قرار، وحقوقيين/ات، مع حرص خاص على تمثيل النساء والفئات المُهمّشة، وتُستخدم التوصيات الواردة فيها كمدخل لحوارات مع أصحاب المصلحة، وكمصدر لمذكرات سياسات مختصرة قابلة للتداول.
في المحصلة، تهدف هذه الورقة إلى توضيح ما يريده الضحايا فعلاً: ما أولوياتهم/ن، وما احتياجاتهم/ن، وما الشروط التي تجعل مشاركتهم/ن ممكنة وآمنة. كما تسعى إلى تحليل الفجوة بين هذه الأولويات وما يُطرح عادة في مسارات العدالة الانتقالية، وتقديم توصيات عملية يمكن ترجمتها إلى سياسات وبرامج، مع حساسية خاصة للسياق المحلي في شمال وشرق سوريا.
عدالة أقرب للضحايا: المشاركة، الأمان، وبناء الثقة في العدالة الانتقالية
يميل النقاش حول العدالة الانتقالية في سوريا إلى التعامل معها بوصفها مشروعاً مؤسساتياً كبيراً: هيئات، لجان، ومسارات قانونية تُصاغ بلغة تقنية عالية. غير أن مخرجات مبادرة “مساحة عدالة” تُظهر أن السؤال الأكثر حساسية لدى الضحايا ليس: (أي آلية نختار؟) بقدر ما هو: هل يمكن الوثوق بهذه الآلية أصلاً؟ فالثقة هنا ليست قيمة أخلاقية عامة، بل شرط أساسي لعمل أي مسار عدالة. من دونها، تتحول “مركزية الضحايا” إلى شعار جميل، بينما تبقى المشاركة سطحية أو انتقائية، أو حتى خطرة على من يُفترض أنها تهدف إلى إنصافهم.
تكشف نتائج الاستبيان أن المشاركة بالنسبة لكثير من الضحايا تقع في منطقة رمادية. نسبة معتبرة من المشاركين/ات ترى أن المشاركة غير كافية، فيما أجاب عدد قريب منهم بـ “لا أعرف”. هذا الجواب الأخير ليس حيادياً، بل يدل على غياب قنوات واضحة ومفهومة للمشاركة، وعلى وجود مسافة بين الضحايا ومسارات العدالة. تصبح المشاركة في هذه الحالة فكرة يُتحدَّث عنها أكثر مما تُمارَس فعلياً.
في المقابل، تُظهر المخرجات أن الرغبة في المشاركة لا تعني الرغبة في الظهور أو الإدلاء بالشهادات فقط، بل تعني المطالبة بأدوار لها وزن حقيقي: تمثيل داخل اللجان، المساهمة في تحديد الأولويات، والمشاركة في المتابعة والتقييم. هذا الفارق جوهري، لأنه ينقل الضحايا من كونهم “مصادر معلومات” إلى كونهم أصحاب حق في التأثير على القرار.
غير أن المشاركة، كما يعبّر عنها الضحايا، ليست خياراً متاحاً بمجرد فتح الباب له. فالسياق الذي يعيشونه ما يزال محفوفاً بالمخاطر: خرائط سيطرة متعدّدة، انتهاكات لم تُحاسَب، ونتائج غير مضمونة للشهادة أو الانخراط العلني.
لذلك تبدو الشروط التي يضعها الضحايا للمشاركة أقرب إلى منطق حماية الذات منها إلى متطلبات إجرائية. تتقدّم السرية أولاً، يليها وضوح المسار وما الذي سيؤول إليه الكلام، ثم الأمان، ثم استقلال الجهة التي تستقبل الشهادات عن أطراف النزاع. السؤال الضمني هنا ليس: “هل ستستمعون إلينا؟” بل: “من سيعرف؟ ماذا سيحدث لشهادتنا؟ وهل يمكن أن تُستخدم ضدنا؟ وهل لهذه الخطوة نهاية ملموسة؟”.
تُعطي المقابلات المعمّقة عمقاً إضافياً لهذا الحذر. إذ عبّر عدد من المشاركين/ات عن شعور متكرر بأن الضحايا يُستَخدمون كثيراً كمادة للتوثيق أو للسرد الإعلامي، دون أن يُعامَلوا كشركاء في تصميم الحلول. كما أظهرت المقابلات أن المركزية السياسية والحقوقية القائمة تُعيد إنتاج تهميش جغرافيات بعينها، فتبدو العدالة وكأنها تُدار من “مكان آخر”، بعيد عن تفاصيل الحياة اليومية للضرر. في هذا السياق، لا يصبح السعي إلى عدالة محلية مجرد خيار تنظيمي، بل محاولة لاستعادة المعنى: عدالة أقرب، مفهومة، ويمكن مراقبتها اجتماعياً.
لكن المخرجات لا تقدّم اللامركزية بوصفها حلاً جاهزاً أو خالياً من المخاطر. على العكس، تُظهر جلسة النقاش والمقابلات مفارقة دقيقة: هناك نفور واضح من المركزية لأنها تُقصي، وفي الوقت ذاته خوف حقيقي من “محلية بلا ضمانات” قد تتحول إلى عدالة ضعيفة، أو مُسيّسة، أو خاضعة للمحسوبيات والضغوط الأمنية والاجتماعية. لذلك يُعاد تعريف اللامركزية هنا ليس كسؤال جغرافي فقط، بل كسؤال معايير وشرعية وحماية. فالقرب من الضحايا لا يعني الإنصاف تلقائياً، إذا لم تُضبط المحلية بوحدة معايير تمنع إعادة إنتاج الانتهاكات بأشكال جديدة.
تُظهر المخرجات أيضاً أن مسألة “التمثيل” تشكّل إحدى العقد المركزية في بناء الثقة. فوجود اسم من منطقة معيّنة داخل لجنة ما لا يعني بالضرورة تمثيلاً حقيقياً. السؤال الأساسي الذي يطرحه الضحايا يتعلق بكيفية اختيار الممثلين، وشفافية التفويض، وقدرتهم الفعلية على نقل الأولويات لا تزيين الصورة. وقد شدّدت جلسة النقاش على الفرق بين الحضور الرمزي والمشاركة المؤثرة، وعلى أن المشاركة المطلوبة هي تلك التي تمتلك القدرة على تغيير ترتيب الملفات، ومساءلة المسار نفسه، لا الاكتفاء بالمصادقة على قرارات اتُّخذت مسبقاً.
ومن زاوية أخرى، تكشف المخرجات عن حساسية خاصة تجاه ما يمكن تسميته “التهميش المزدوج”، خصوصاً بحق النساء والأقليات. فعندما تُستدعى هذه الفئات بوصفها رموزاً للمعاناة لا كفاعلين في القرار، تتحول العدالة إلى امتداد للهرمية الاجتماعية والسياسية التي ساهمت أصلاً في إنتاج الضرر. تشير المقابلات بوضوح إلى أن حضور النساء قد يكون شكلياً، بينما المطلوب هو أن تكون التجربة النسوية مرجعاً في تصميم سياسات الحماية، والتوثيق، وجبر الضرر، لا مجرد عنصر لإضفاء طابع إنساني أو عاطفي على الخطاب.
في المحصلة، يرسم هذا المحور صورة لعدالة تُختبر من الأسفل إلى الأعلى، لا العكس. عدالة تُقاس بقدرتها على توفير شروط الأمان، ووضوح الغاية، واستقلال الجهة، وشرعية التمثيل، وتجاوز المشاركة الشكلية نحو شراكة حقيقية تغيّر ما يُقرَّر وكيف يُقرَّر.
بهذا المعنى، لا تظهر “مركزية الضحايا” كبند إضافي في برامج العدالة الانتقالية، بل كبنية أساسية يتوقف عليها معنى هذه البرامج. من دونها، تبقى العدالة خطاباً متعالياً؛ ومعها فقط يمكن أن تتحول إلى ممارسة اجتماعية قابلة للحياة والاستمرار.
الحقيقة والمساءلة: كشف مصير المفقودين/ات ونماذج المحاسبة والآليات المختلطة
تُظهر مخرجات مبادرة “مساحة عدالة” أن الحقيقة والمساءلة لا تُفهمان لدى الضحايا بوصفهما مسارين قانونيين منفصلين عن الحياة اليومية، بل كشرطين أساسيين لإيقاف استمرار الانتهاكات. فحين يبقى ما حدث غامضاً، أو حين يفلت المسؤولون من المحاسبة، لا يتحول الماضي إلى “ماضٍ قابل للطي”، بل يظل حاضراً ومفتوحاً داخل حياة الأفراد والعائلات والمجتمع.
رغم أن معرفة مصير المفقودين/ات لم تُدرج ضمن أعلى أولويات الضحايا في الاستبيان (29%) مقارنةً بإعادة الممتلكات (60%)، والمحاسبة (57%)، وكشف الحقيقة (51%)، والتعويض وجبر الضرر (43%)، إلا أن النتائج النوعية مثل المقابلات والأسئلة المفتوحة أظهرت أن هذا الملف يشكّل حجر الأساس لمعنى الحقيقة لدى عائلات المفقودين/ات. لذلك تتعامل الورقة مع قضية المفقودين/ات كأولوية ضمن محور الحقيقة: مسار مستقل لا يُنافس أولويات الإنصاف الملموس، لكنه حد أدنى لا يمكن تجاهله لتفادي إعادة إنتاج الإقصاء.
-
تعدد مستويات الحقيقة:
تُظهر النتائج أن مفهوم “الحقيقة” لدى الضحايا متعدد المستويات. فهناك حقيقة عامة تتعلق بتوثيق الانتهاكات، وتحديد أنماطها، والمسؤولين عنها، وهي حقيقة ضرورية لبناء ذاكرة جماعية ومنع الإنكار. في المقابل، هناك حقيقة متخصصة تخصّ عائلات المفقودين/ات، حيث يتحول الغياب إلى “زمن معلّق” لا يمكن طيّه دون معلومات موثوقة وتواصل مؤسسي منتظم. لذلك، لا يكفي التعامل مع المفقودين كملف إنساني أو رمزي، بل يجب إدارتهم كبرنامج واضح المعالم، له إجراءات، وقنوات متابعة، وربط مباشر بمسارات المساءلة.
تكشف المخرجات أيضاً عن فجوة توثيقية مقلقة، حيث أن 39% فقط من المشاركين/ات يقولون إن الانتهاكات التي تعرضوا لها موثقة، بينما بقية المشاركين/ات إمّا لا يعرفون إن كانت انتهاكاتهم/ن موثّقة، أو يؤكدون أنها غير موثّقة أصلاً. هذا الواقع لا يعكس فقط ضعف الوصول إلى آليات التوثيق، بل يعكس أيضاً الخوف، وغياب الثقة، وتعقيد السياق الأمني. لذلك تُفهم الحقيقة هنا بوصفها عملية تدريجية تتطلب قنوات آمنة، ومعايير واضحة، وضمانات بعدم الإيذاء، لا مجرد دعوات عامة للإدلاء بالشهادات.
-
أهمية المساءلة:
لكن الحقيقة، كما تُظهر السرديات، لا تكتمل دون مساءلة. فاعتراف غير مسنود بمحاسبة يُنظر إليه كاعتراف هش، قابل للتوظيف السياسي أو لامتصاص الغضب دون تغيير فعلي. ويعبّر كثير من الضحايا عن أن الإحساس الأكثر إيلاماً لا يكمن فقط في وقوع الانتهاك، بل في استمرار الإفلات من العقاب، ورؤية أشخاص متهمين بانتهاكات في مواقع نفوذ أو حماية. في هذا السياق، تتحول المساءلة إلى إعلان أخلاقي وسياسي بأن الجريمة ليست مقبولة، وأن القوة لا تمنح حصانة، وأن كرامة الضحية ليست قابلة للمساومة باسم “الواقعية” أو “الاستقرار”.
-
نماذج المحاسبة المختلطة:
في الوقت ذاته، لا تنظر المخرجات إلى نماذج المحاسبة من زاوية ثنائية مبسّطة بين محلي ودولي. فالقضاء الوطني يُنظر إليه في كثير من الحالات كغير كافٍ أو غير مستقل، أو مثقَل بتاريخ من التسييس. أما المسارات الدولية الخالصة، فرغم أهميتها الرمزية، تُوصف غالباً بأنها بعيدة وبطيئة، ولا تمسّ حياة الضحايا اليومية بشكل مباشر. من هنا يبرز الميل الواضح نحو الآليات المختلطة، بوصفها محاولة للخروج من هذا المأزق المزدوج.
لا تنبع جاذبية النماذج المختلطة من شكلها المؤسسي بحد ذاته، بل من الوعد الذي تحمله: قرب أكبر من الضحايا والسياق المحلي، مع الحفاظ على معايير وضمانات أعلى للنزاهة والحماية. هذا التفضيل يعكس رغبة في تقليص الانتقائية، ومنع احتكار العدالة من أي طرف، وتفادي تحويلها إلى أداة تصفية حسابات أو تكريس للغلبة. فالضحايا، بحسب المخرجات، لا يبحثون عن عدالة “اسمها دولية” أو “اسمها وطنية”، بل عن عدالة يمكن الوثوق بأنها لن تُستخدم ضدهم لاحقاً.
تُظهر المخرجات أيضاً نظرة مركّبة تجاه المسارات القائمة خارج سوريا، مثل بعض المحاكمات الأوروبية ومبادرات التوثيق الدولية. يُنظر إلى هذه المسارات بإيجابية لأنها تكسر، ولو جزئياً، منطق الإفلات من العقاب، وتؤسس لأرشيف يمكن البناء عليه، وترسل رسالة بأن الجريمة ليست بلا أثر. لكنها في الوقت ذاته تُوصف بأنها غير كافية، بحكم محدودية ولايتها وعدد القضايا التي يمكن أن تصل إليها، وبعدها عن الواقع اليومي لمعظم الضحايا داخل البلاد. لذلك تُفهم هذه المسارات كضرورية لكنها غير قادرة وحدها على إنتاج عدالة شاملة.
في المقابل، تُبدي المخرجات حذراً واضحاً تجاه أي إجراءات تُطرح تحت عنوان العفو أو التسويات غير الشفافة، حين تُفهم كوسيلة لتجاوز الحقيقة أو تبييض المسؤوليات. ويزداد هذا الحذر عندما لا تقترن هذه الإجراءات بضمانات واضحة، أو بإطلاق مصائر المعتقلين، أو باعتراف قابل للمساءلة. في هذه الحالات، يُخشى أن تتحول العدالة إلى إدارة سياسية للملف، لا إلى معالجة حقيقية للضرر.
-
الربط بين الحقيقة والبنية المؤسسية:
في جوهر هذا المحور، يتضح أن الحقيقة والمساءلة لا تتعلقان فقط بالجرائم الكبرى، بل بالبنية التي سمحت للانتهاك أن يتكرر: تداخل السلطة بالجناة، ضعف استقلال المؤسسات، وانتقائية تطبيق المعايير.
لذلك يبرز السؤال الأعمق في مخرجات المبادرة: كيف يمكن بناء حقيقة جامعة لا تقسيمية، ومساءلة معيارية لا انتقائية، في سياق تتنازع فيه السرديات والسلطات؟ لا تقدّم النتائج إجابة جاهزة، لكنها تُظهر حساسية عالية لدى الضحايا تجاه أي مسار يُشتبه في أنه ينتقي الجناة أو الضحايا وفق ميزان القوى.
بهذا المعنى، يتحدد مفهوم العدالة لدى الضحايا ليس فقط في معاقبة بعض المسؤولين، بل في إعادة تعريف القاعدة العامة: أن الإنسان وحقه وحقيقته ليست رهينة الاصطفافات السياسية، وأن الانتهاك لا يتحول إلى أمر عادي مهما طال الزمن.
الإنصاف الملموس: السكن، الملكية، العودة، وجبر الضرر الاقتصادي
تكشف مخرجات مبادرة “مساحة عدالة” صورة مختلفة عن التصورات الشائعة للعدالة الانتقالية بوصفها شأناً قانونياً مؤجلاً إلى “ما بعد السياسة”، حيث أن كثيراً من الضحايا لا يختبرون العدالة أولاً في قاعة محكمة أو في خطاب سياسي، بل في سؤال يومي بسيط وقاسٍ: هل يمكنني أن أعيش حياة قابلة للاستمرار؟ من هذا المنظور، لا تظهر قضايا السكن والملكية والعودة بوصفها ملفات خدمية أو إنسانية ثانوية، بل بوصفها جوهر العلاقة بين الضحية وحقه، ومعياراً مباشراً لصدقية أي مسار عدالة انتقالية.
فقدان البيت أو الأرض لا يعني خسارة مادية فقط، بل تفكك الاستقرار، وانهيار الشعور بالأمان، وقطع الاستمرارية العائلية والاجتماعية. وعندما يصبح الرجوع إلى المكان الأصلي مستحيلاً أو محفوفاً بالمخاطر، يتحول الضرر إلى حالة دائمة: لا بيت يُستعاد، ولا مستقبل يمكن التخطيط له، ولا قانون يُحتكم إليه. لذلك ترتبط هذه القضايا مباشرة بواقع التهجير القسري وعدم القدرة على العودة، حيث لا يبقى الانتهاك في الماضي، بل يستمر في الحاضر عبر الفقر، والهشاشة، وانعدام اليقين.
من هذا المنظور، تُظهر المخرجات أن قضايا الملكية والسكن والعودة نقطة التقاء بين ثلاثة مستويات متداخلة من الضرر. على المستوى القانوني، يفقد كثير من الضحايا أدوات إثبات حقوقهم، بسبب ضياع الوثائق، أو تعطّل السجلات العقارية، أو غياب مؤسسات مستقلة قادرة على تثبيت الملكية. في هذه الحالة، لا يكون الحق منتهكاً فقط، بل يصبح مهدداً بالزوال. وعلى المستوى الاجتماعي، يؤدي فقدان السكن إلى تفكيك العائلة وشبكات التضامن، ويزيد من التوترات داخل المجتمعات المضيفة وبين السكان المحليين والنازحين. أما على المستوى النفسي، فالسكن لا يُختزل في جدران وسقف، بل هو إحساس بالأمان والقدرة على حماية الذات والأسرة. حين يُسلب هذا الإحساس، يصبح الحديث عن العدالة مجرداً ما لم يرافقه استعادة حد أدنى من هذا الأمان.
كما تكشف النتائج أن الفقر ليس نتيجة جانبية للحرب فحسب، بل أحد أكثر أشكال الضرر استمراراً. فحين تُجبر الضحية على الانشغال الدائم بتأمين أساسيات العيش، تتقلص قدرتها على المطالبة بحقوقها أو الانخراط في مسارات قانونية طويلة ومعقدة. في هذا السياق، يظهر جبر الضرر الاقتصادي بوصفه جزءاً أصيلاً من العدالة الانتقالية، لا بديلاً عنها. فهو ليس إحساناً ولا تدخلاً إغاثياً مؤقتاً، بل محاولة لإعادة الحد الأدنى من القدرة على الاختيار والاستقلال، أي إعادة بعض مما سُلب بالقوة.
أما مسألة العودة، فتظهر في المخرجات بوصفها أكثر الملفات التباساً. فالعودة إلى المكان الأصلي مطلب طبيعي، مرتبط بالذاكرة والانتماء والكرامة. لكنها في الوقت ذاته ليست قراراً فردياً صرفاً، لأن العودة دون ضمانات قد تعني العودة إلى الخوف ذاته، أو إلى تهديدات أمنية جديدة، أو إلى نزاعات على الملكية، أو إلى انتقام اجتماعي. لذلك يتكرر التأكيد على مفهوم “العودة الآمنة”، أي العودة المرتبطة بالحماية، والاعتراف بالظلم الذي وقع، وعدم تثبيت نتائج التهجير بوصفها واقعاً دائماً.
وتُظهر المخرجات حساسية عالية تجاه أي حلول تتجاوز ملف الملكية باسم “الواقعية”. فتجاوز الملكية لا يعني تسوية تقنية، بل يعني عملياً شرعنة ما نتج عن الانتهاك، وتحويل القوة إلى مصدر للحق. في نظر الضحايا، أي مسار عدالة لا يتعامل بجدية مع استعادة الملكية أو إنصاف أصحابها، يخاطر بأن يتحول إلى أداة لإدارة نتائج الظلم بدل معالجته.
في الوقت نفسه، تشير المخرجات إلى أن الإنصاف الملموس يضع العدالة الانتقالية أمام معادلة دقيقة: التعويض المالي وحده قد يُفهم كمحاولة لشراء الصمت إذا لم يقترن باعتراف ومسؤولية وضمانات عدم تكرار، لكن الاكتفاء بالاعتراف الرمزي دون معالجة الخسائر المادية يُنظر إليه كطلب قاسٍ وغير عادل من الضحايا. لذلك يتضح أن ما يريده كثير من المتضررين ليس الاختيار بين “الحقوق الكبرى” و”الاحتياجات اليومية”، بل الربط بينهما: محاسبة لا تنفصل عن إعادة الحقوق، وحقيقة لا تنفصل عن العودة الآمنة، وجبر ضرر يعيد الكرامة بوصفها قدرة على العيش لا مجرد قيمة أخلاقية مجردة.
في المحصلة، يعيد هذا المحور تعريف العدالة الانتقالية من زاوية ملموسة. فالعدالة ليست فقط إدانة الجناة، بل إعادة بناء ما حطّمه الانتهاك في حياة الناس. البيت، والأرض، وسبل العيش ليست تفاصيل تقنية، بل البنية التي يقوم عليها الإحساس بالاستقرار، ومن دونها لا تُبنى ثقة، ولا مشاركة، ولا انتقال حقيقي نحو مستقبل مختلف. وعندما تُؤجَّل هذه الملفات أو تُستبعد من مسارات العدالة، يبقى الواقع نفسه منتجاً لظلم جديد كل يوم.
التوصيات: من العدالة كشعار إلى العدالة كممارسة قابلة للحياة
تُظهر نتائج هذا التقرير أن الفجوة الأساسية في مسارات العدالة الانتقالية السورية لا تكمن في غياب المبادئ أو الأدوات، بل في ضعف ترجمتها إلى ممارسات يثق بها الضحايا وتلامس واقع حياتهم. فالعدالة، كما عبّر عنها المشاركون، لا تُقاس بنوايا حسنة أو بإعلانات سياسية، بل بقدرتها على توفير الأمان، واستعادة الحقوق، ومنع تكرار الانتهاكات، وإشراك المتضرّرين كشركاء حقيقيين في القرار.
وتبيّن المخرجات أن أي مسار عدالة لا ينطلق من أولويات الضحايا، ولا يعالج مخاوفهم من الانتقائية وانعدام الحماية، ولا يربط بين الحقيقة والمساءلة والإنصاف الملموس، سيبقى مساراً هشّاً ومعرّضاً لفقدان الشرعية والثقة. كما تؤكد أن تجاوز قضايا السكن والملكية والعودة وجبر الضرر الاقتصادي، أو التعامل معها كملفات مؤجلة أو ثانوية، يعني عملياً تثبيت نتائج الانتهاك بدل معالجته.
بناءً على ذلك، تُقدَّم التوصيات التالية بوصفها إطاراً عملياً قابلاً للتطبيق، يهدف إلى تحويل مركزية الضحايا من شعار إلى حوكمة، والحقيقة والمساءلة من وعود إلى مسارات معيارية غير انتقائية، والإنصاف من مفهوم مجرّد إلى أثر ملموس في حياة الناس. وهي موجّهة إلى الفاعلين المحليين، وصنّاع القرار، والجهات الدولية الداعمة، بوصفهم شركاء في مسؤولية بناء عدالة انتقالية قابلة للحياة والاستمرار في سوريا.
أولاً: مركزية الضحايا كحوكمة وبناء الثقة
- اعتماد مركزية الضحايا كمنظومة حوكمة لا كخطاب: ينبغي التعامل مع مركزية الضحايا بوصفها إطاراً ناظماً للعمل، من خلال ميثاق مشاركة واضح يحدّد حقوق الضحايا في الاطلاع، وإبداء الرأي، والاعتراض، والمتابعة، والتقييم.
- ضمان تمثيل شرعي وغير شكلي للضحايا: يتطلب التمثيل وضع معايير واضحة لاختيار ممثلي الضحايا عبر آليات شفافة داخل شبكاتهم، مع تحديد مدد زمنية، وتدوير، والإفصاح عن أي تضارب مصالح. الهدف هو نقل الأولويات الحقيقية للضحايا، لا تجميل المسار أو إضفاء شرعية شكلية عليه.
- بناء منظومة أمان وسرية قبل أي مشاركة: لا مشاركة دون حماية. يجب اعتماد بروتوكولات موحدة للسرية وحماية البيانات، قائمة على الموافقة المستنيرة، وإمكانية إخفاء الهوية، وتحديد واضح لمن يملك حق الوصول للمعلومات، مع توفير خيارات انسحاب آمنة في أي مرحلة.
- مسارات مشاركة قابلة للتحقق: ينبغي أن تُترجم المشاركة إلى مواقع فعلية داخل اللجان وآليات المتابعة وصناعة القرار، مع تغذية راجعة دورية توضّح للضحايا كيف استُخدمت مساهماتهم، وما الذي تغيّر بناءً عليها.
ثانياً: الحق في الحقيقة والتوثيق وبناء الذاكرة
- سد الفجوة التوثيقية: اعتماد نموذج توثيق موحد ومرن يناسب البيئات عالية الخطورة، مع تدريب فرق محلية على جمع الإفادات وفق معايير السلامة ومبادئ “عدم الإيذاء”، وتوحيد التعريفات والمصطلحات، وبناء الثقة التدريجية مع الضحايا.
- أرشفة آمنة ومحمية: إنشاء «مستودع أدلة» متعدّد المستويات (محتوى سري، ومحتوى قابل للمشاركة، وملخصات عامة) يوازن بين حق المجتمع في المعرفة وحق الضحايا في الحماية.
- إتاحة المعرفة دون تعريض الأفراد: إصدار تقارير دورية تحليلية/إحصائية تُظهر الأنماط والمسؤوليات والسياقات، مع حجب البيانات الحساسة، وربط ذلك بمبادرات ذاكرة جماعية تراعي الكرامة والاختلافات الثقافية.
- ضمان حق الوصول للمعلومات: تطوير بروتوكولات للتواصل مع الجهات المالكة للأرشيفات المحلية، ووضع معايير لحفظ السجلات ومنع إتلافها أو تسييسها.
ثالثاً: معالجة ملف المفقودين/ات والمختفين/ات قسراً
- إدارة ملف المفقودين/ات كمسار مستقل ومركزي: يجب التعامل مع قضية المفقودين/ات بوصفها أولوية قائمة بذاتها ضمن محور الحقيقة، من خلال برنامج متخصص يشمل استقبال الملفات، والتحقق، وقواعد بيانات محمية، وتواصل منتظم مع العائلات، دون عزل الملف عن المساءلة القانونية.
- ضمان حق العائلات في المعرفة والتواصل: ينبغي إنشاء آليات واضحة للتواصل الدوري مع أسر المفقودين/ات، تحترم خياراتهم وخصوصيتهم، وتوفّر لهم معلومات محدثة، ودعماً قانونياً ونفسياً، دون الضغط عليهم للتنازل عن حقوقهم أو القبول بحلول غير واضحة.
- تعاون مُنظّم مع الآليات الدولية: مواءمة معايير جمع العينات والمعلومات مع المتطلبات الدولية بما يضمن قابلية الإحالة لاحقاً، مع الحفاظ على ملكية البيانات للضحايا وفق موافقات واضحة.
- دعم شامل للأسر: توفير خدمات قانونية ونفسية واجتماعية مستدامة لأسر المفقودين/ات، بما يشمل الدعم في إجراءات الأحوال المدنية دون المساس بحقهم في الحقيقة والتقاضي.
رابعاً: المساءلة الشاملة ومنع الانتقائية
- التأكيد على وحدة المعايير وشمولية المساءلة: لا معنى لعدالة انتقائية. يجب أن تشمل المساءلة انتهاكات جميع الأطراف، وفق معايير واحدة وضمانات محاكمة عادلة، لمنع تحويل العدالة إلى أداة غلبة سياسية أو تصفية حسابات.
- دعم نماذج مساءلة مختلطة ومحميّة: تُظهر المخرجات حاجة واضحة إلى آليات تجمع بين القرب من الضحايا والمعايير الدولية للحماية والنزاهة. ينبغي تطوير تصورات عملية لآليات مختلطة، تضمن استقلال القرار، وحماية الشهود، والرقابة، دون أن تكون بعيدة عن السياق المحلي.
- تعزيز المسارات القضائية خارج سوريا دون المبالغة في تحميلها: تُعدّ المحاكمات والآليات الدولية ضرورية لكسر الإفلات من العقاب وبناء الأرشيف، لكنها غير كافية وحدها. يجب دعمها بوصفها جزءاً من منظومة أوسع، لا بديلاً عن مسارات محلية محمية وقابلة للوصول.
خامساً: الإنصاف الملموس – السكن، الملكية، العودة، وجبر الضرر الاقتصادي
- وضع السكن والملكية في صلب العدالة الانتقالية: ينبغي اعتبار قضايا السكن والملكية والعودة عناصر أساسية في جبر الضرر، لا ملفات خدماتية ثانوية. أي مسار يتجاهلها يخاطر بتكريس نتائج التهجير والانتهاك.
- منع تثبيت نتائج الانتهاكات المرتبطة بالملكية: يتطلب ذلك مراجعة وتجميد الإجراءات العقارية والإدارية الناتجة عن التهجير القسري، ومنع تقنين الاستيلاء على الممتلكات تحت أي غطاء إداري أو عرفي.
- إنشاء مسارات عادلة ومرنة لإثبات الملكية: ينبغي اعتماد آليات شبه قضائية مختلطة تقبل الأدلة البديلة عند فقدان الوثائق، وتوازن بين سرعة الفصل والعدالة، مع إشراك خبراء مستقلين وممثلي الضحايا.
- اعتبار جبر الضرر الاقتصادي جزءاً من العدالة لا بديلاً عنها: يشمل ذلك تعويضات متدرجة، ودعم سبل العيش، وإعادة التأهيل المهني، بما يعيد للضحايا الحد الأدنى من الاستقلالية والقدرة على الاختيار، دون أن يُستخدم التعويض كبديل عن الاعتراف أو المحاسبة.
- ربط العودة بمعايير الأمان والكرامة: العودة يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة، ومشروطة بوقف الانتهاكات، وضمان الحماية المدنية، واستعادة الحقوق، لا مجرد حركة جغرافية تُفرض باسم الاستقرار.
سادساً: لامركزية مُدارة بوحدة معايير ورقابة
- مراكز خدمة/عدالة قريبة من الضحايا: إنشاء نقاط وصول محلية (مدن/مخيمات) لاستقبال الشكاوى والشهادات وتقديم الإرشاد القانوني، مع بروتوكول موحد وإشراف مستقل.
- نظام متابعة وتقييم: تطوير مؤشرات أداء قابلة للقياس (زمن معالجة الشكاوى، نسبة الحالات التي تلقت تغذية راجعة، نسبة مشاركة النساء) ونشر تقارير دورية لتعزيز الثقة.
- استقلالية وحوكمة نزاهة: اعتماد آليات تدقيق خارجي دوري (مراجعة إجراءات، حماية بيانات، تضارب مصالح) لمنع المحسوبيات وتسييس المحلية.
- تنسيق متعدد المستويات: ربط المراكز المحلية بشبكة وطنية/عابرة للمناطق بوحدة معايير، لتجنب تشتت الملفات وتكرار جمع الشهادات بطريقة مرهِقة أو خطرة.
سابعاً: العدالة الجندرية وحماية الناجيات
- إدماج منظور النوع الاجتماعي في جميع المسارات: تضمين تحليل جندري في جميع البرامج (تقييم مخاطر خاص بالنساء، مؤشرات مصنفة حسب الجنس والعمر والإعاقة)، لضمان أن السياسات لا تعيد إنتاج التهميش.
- حزم دعم متكاملة للناجيات: إنشاء/دعم مراكز شاملة تقدم مرافقة قانونية ودعماً نفسياً وإحالات طبية وخيارات حماية، مع ضمان السرية واحترام قرار الناجية.
- ضمان تمثيل نسائي مؤثر بصلاحيات حقيقية: تخصيص نسب تمثيل داخل اللجان وآليات الشكاوى، مع ضمان أن الحضور النسائي ليس رمزياً بل مرتبط بصلاحيات وحق في الاعتراض والمراجعة.
- مكافحة الوصم والعنف الثانوي: تدريب العاملين/ات على التواصل الحساس للنوع الاجتماعي، ومنع الأسئلة أو الإجراءات التي تُعيد إنتاج الإيذاء داخل مسارات التوثيق أو المساعدة.
ثامناً: إصلاح المؤسسات وضمانات عدم التكرار
- تدقيق مؤسسي ونزاهة: إجراء مراجعات نزاهة للجهات الأمنية والقضائية والإدارية ذات الصلة بملفات الانتهاكات، واستبعاد المتورطين/ات من مواقع القرار وفق معايير وإجراءات عادلة.
- رقابة مدنية واستقلال القضاء: تعزيز آليات الرقابة والمساءلة على الأجهزة الأمنية، ودعم استقلال القضاء وشفافية التعيينات والترقيات، وربط ذلك بتدريب إلزامي على حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
- إصلاح السجل المدني والخدمات الإدارية: تبسيط إجراءات إثبات الشخصية والوقائع المدنية للمتضررين/ات، وتحييد هذه الملفات عن الاعتبارات الأمنية، لضمان وصول الضحايا إلى حقوقهم دون ابتزاز أو تمييز.
- تعزيز ثقافة الحقوق: إدماج مواد العدالة وحقوق الإنسان في برامج التعليم والتدريب المهني، وربط ذلك بمبادرات مجتمعية تعيد تعريف “الكرامة” بوصفها حقاً قابلاً للتحصيل.
تاسعاً: المسؤوليات الدولية والإقليمية والتمويل والمتابعة
- مرافقة ومراقبة مستقلة: دعوة الجهات الدولية إلى دعم مسارات حماية الضحايا ومراقبة الالتزام بالمعايير، مع احترام ملكية الضحايا للقرار والبيانات.
- حياد المساعدات وربطها بالحقوق: ضمان وصول المساعدات على أساس المساواة وعدم التمييز، ومنع استخدامها كأداة ضغط، وربط الدعم بحد أدنى من التزامات الحماية ووقف الانتهاكات.
- تمويل متعدد السنوات: الانتقال من تمويل المشاريع القصيرة إلى تمويل برامج ممتدة (3-5 سنوات) لأنّ ملفات الملكية والمفقودين/ات والتمكين لا تُعالج بمنطق الدورات السريعة.
- جداول زمنية وآليات متابعة: إعداد خطة عمل مرحلية (قصيرة/متوسطة/طويلة) بمسؤوليات واضحة، مع لجنة متابعة يقودها الضحايا وممثلوهم، وتصدر تقارير تقدم دورية قابلة للمراجعة العامة.
