الملخص التنفيذي:
يوثق هذا التقرير الانتهاكات الجسيمة التي وقعت في سياق التصعيد العسكري الذي شهدته مدينة حلب ومناطق شمال شرق سوريا خلال كانون الثاني/يناير 2026، والذي بدأ بعمليات عسكرية وقصف في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بين القوات الحكومية السورية وقوات الأمن الداخلي “الأسايش” التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، قبل أن يمتد لاحقاً إلى مناطق دير حافر ومسكنة، ثم محافظات الرقة ودير الزور وأجزاء من الحسكة، في ظل انسحابات متتالية لقوات سوريا الديمقراطية ووقوع اشتباكات متقطعة بين الطرفين.
يتناول التقرير الانتهاكات المنسوبة إلى مختلف الأطراف الفاعلة في سياق هذا التصعيد، مع تركيز خاص على الانتهاكات التي سُجلت عقب سيطرة القوات التابعة للحكومة السورية الانتقالية على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، وكذلك تلك التي رافقت التوترات الأمنية في المناطق التي شهدت انسحاب قوات سوريا الديمقراطية.
وفق المعطيات الموثقة، أسفر القصف الذي طال أحياء سكنية في الشيخ مقصود والأشرفية عن مقتل ما لا يقل عن 45 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، وإصابة أكثر من 120 آخرين، إضافةً إلى أضرار واسعة في المنازل والمنشآت المدنية، بما في ذلك استهداف متكرر للمشفى الوحيد في حيّ الشيخ مقصود.
كما رصد التقرير سقوط ضحايا مدنيين جراء قصف نفذته قوات سوريا الديمقراطية على أحياء مأهولة أخرى في مدينة حلب خلال الفترة نفسها، ما يؤكد أن المدنيين وجدوا أنفسهم عرضة للخطر من طرفي النزاع، في سياق اتسم بتبادل الضربات داخل مناطق سكنية مكتظة.
كما يوثق التقرير استخدام ما سُمّي بـ”الخرائط التحذيرية” قبل بعض الضربات، ويحلل مدى فعاليتها في ظل انقطاع الكهرباء والاتصالات وصعوبة وصول المدنيين إلى المعلومات التقنية المنشورة. وتشير الوقائع إلى أن بعض الضربات طالت مواقع لم يُعلن عنها كأهداف عسكرية، ما يثير تساؤلات جدية حول الامتثال لمبادئ التمييز والتناسب وواجب اتخاذ الاحتياطات وفق القانون الدولي الإنساني.
وفي سياق السيطرة العسكرية على الحيّين، تمّ توثيق أنماط من المعاملة المهينة والإذلال العلني بحق مدنيين جرى تجميعهم واحتجازهم مؤقتاً، ترافق بعضها مع خطاب تحريضي ووصم قائم على الهوية القومية. كما رُصدت ممارسات تمسّ حرمة الجثامين، بما في ذلك التنكيل والتصوير ونشر المقاطع على نطاق واسع.
ويرصد التقرير ما لا يقل عن 541 حالة فقدان أو إخفاء قسري في مدينة حلب وحدها، بينهم 26 امرأة، إضافة إلى عشرات الحالات في مناطق أخرى خلال فترات الانسحاب وتبدّل السيطرة. وقد ترافقت هذه الحالات مع غياب شبه كامل لأي معلومات رسمية حول أماكن الاحتجاز أو مصائر الأشخاص.
ويتضمن التقرير أيضاً توثيقاً لحوادث قتل استهدفت مدنيين في سياق النزاع، بينها قتل عمد استهدف عائلة كُردية أثناء محاولتها النزوح من الرقة باتجاه الحسكة، بعد إيقافها وسؤالها عن الهوية القومية، ما أدى إلى مقتل ستة أفراد، بينهم طفلان. كما سُجّل قصف بطائرة مسيّرة استهدف مبنى الهلال الأحمر الكُردي في مدينة القامشلي، وضربة أخرى في ريف كوباني أسفرت عن مقتل خمسة أفراد من عائلة واحدة (ثلاث نساء وطفلان)، وإصابة أربعة آخرين (ثلاث نساء وطفل).
كما يسجل التقرير وقائع سلب ونهب ومصادرة ممتلكات خاصة طالت عائلات كُردية في مدينتي الرقة والطبقة، في ظل غياب آليات حماية قانونية فعّالة.
على المستوى الإنساني، تشير البيانات المتقاطعة إلى نزوح أكثر من 160 ألف شخص من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إضافة إلى موجة نزوح تجاوزت 130 ألف شخص في شمال شرق سوريا. وقد لجأ العديد من النازحين إلى مدارس ومبانٍ عامة غير مهيأة، وسط نقص حاد في المياه والكهرباء والخدمات الصحية وتعطّل العملية التعليمية.
كما يعالج التقرير مسألة تقييد الوصول إلى الخدمات الأساسية، ولا سيما في كوباني، حيث أدى قطع أو تقييد الكهرباء والمياه والاتصالات وإغلاق الطرق إلى تفاقم أزمة الغذاء والدواء والتدفئة، رغم دخول بعض القوافل الإنسانية.
ويخلص التقرير إلى أن تكرار أنماط القصف، والإذلال العلني، والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، وانتهاك حرمة الجثامين، إلى جانب الحصار وتقييد الخدمات، يعكس أنماطاً مقلقة تتجاوز الحوادث الفردية، ما يستوجب فتح تحقيقات مستقلة وشفافة لتحديد المسؤوليات وضمان المساءلة ومنع الإفلات من العقاب، ومع ضع حماية المدنيين والكرامة الإنسانية في صلب أي مسار سياسي يُراد له أن يكون قابلاً للحياة.
المنهجية:
يهدف هذا التقرير إلى توثيق وتحليل الانتهاكات الجسيمة خلال التطورات العسكرية في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، وامتداد آثارها لاحقاً إلى شمال شرق سوريا خلال كانون الثاني/يناير 2026. في ظل تبدّل السيطرة العسكرية وتكرار إعلانات وقف إطلاق النار دون استقرار فعلي على الأرض.
استند التقرير إلى بيانات جُمعت خلال الفترة الممتدة من 6 كانون الثاني/يناير وحتى نهاية الشهر ذاته، مع متابعة لاحقة لبعض الآثار المستمرة حيثما أمكن. وجمع فريق البحث 20 إفادة مباشرة مع شهود عيان، وناجين/ات، وأفراد من عائلات الضحايا والمفقودين/ات، وناشطين/ات محليين/ات، إضافةً إلى عاملين/ات في المجال الإنساني. وتناولت هذه الإفادات وقائع القصف، والاحتجاز، والفقدان/الإخفاء القسري، والنزوح، وتقييد الخدمات الأساسية، وتأثير هذه الوقائع على الأفراد والمجتمعات المحلية.
أُجريت جميع المقابلات وفق مبادئ الموافقة المستنيرة، والسرية، وعدم التسبب بالضرر، مع مراعاة السياقين الأمني والنفسي للمشاركين/ات.
كما جرى رصد وتوثيق 240 مقطع فيديو، و16 تسجيلاً صوتياً، أُدرجت في قاعدة بيانات رابطة تآزر، وخضعت لعمليات تحقق تقني وسياقي شملت مقارنة التواريخ والمواقع الجغرافية والمعالم البصرية وتسلسل الأحداث، إلى جانب مقاطعة المصادر، بهدف التأكد من مصداقيتها واستخدامها كمصادر داعمة حيثما توافرت معطيات كافية.
وإلى جانب ذلك، جرى جمع وتحليل مواد مصوّرة وصور فوتوغرافية ووثائق رقمية متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المحلي، إضافة إلى بيانات وتقارير صادرة عن منظمات سورية ودولية، وذلك في إطار عملية تحقق متقاطعة للمعلومات.
يعتمد التقرير مقاربة تركز على الضحايا والناجين/ات بوصف تجاربهم/ن مصدراً أساسياً لفهم طبيعة الانتهاكات وآثارها، مع إيلاء اهتمام خاص للاعتبارات الأخلاقية والأمنية في جميع مراحل البحث، بما في ذلك حماية هوية المصادر، وتشفير البيانات الحساسة، وتجنب نشر معلومات قد تعرّض الأفراد أو المجتمعات لمخاطر إضافية، والتعامل بحذر مع شهادات المتأثرين/ات بصدمات نفسية.
في تحليل الوقائع، يستند التقرير إلى قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والمعايير ذات الصلة بحماية المدنيين، وحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة، ومنع الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، وحماية الممتلكات والخدمات الأساسية. كما يأخذ في الاعتبار السياق السياسي والعسكري والاجتماعي الذي وقعت فيه الأحداث.
ويقر التقرير بوجود قيود موضوعية أثّرت على عملية التوثيق، من بينها صعوبة الوصول الميداني إلى بعض المناطق، والمخاطر الأمنية، وخوف عدد من الشهود من الإدلاء بإفادات علنية، وانقطاع الاتصالات في فترات معينة. وقد جرى التعامل مع هذه القيود عبر تنويع مصادر المعلومات وتحديث البيانات كلما توفرت معطيات جديدة.
تشكل هذه المنهجية أساساً لإنتاج تحليل يستند إلى أفضل المعلومات المتاحة، ويهدف إلى تقديم قراءة متوازنة للوقائع وآثارها الإنسانية والقانونية، بما يدعم جهود حماية المدنيين، وتعزيز المساءلة، وإتاحة قاعدة معرفية يمكن الاستناد إليها في مسارات العدالة والإنصاف.
أولاً: استهداف المدنيين خلال العمليات العسكرية في شمال شرق سوريا
- قصف قرية خراب عشك (خراب العاشق) – ريف كوباني | 26 كانون الثاني/يناير 2026
أفاد مصطفى شيخ بوزان، أحد سكان قرية خراب عشك/خراب العاشق في ريف كوباني، بأن ضربة جوية استهدفت منزلاً مدنياً مساء 26 كانون الثاني/يناير 2026، في وقتٍ قال إن المنطقة كانت خالية من أي اشتباكات أو إطلاق نار قبل وقوع القصف.
ووفق إفادته لرابطة تآزر، يقيم مصطفى مع عائلته في منزل خارج التجمع السكني للقرية، إلا أن أحد أقربائه المقيمين داخل القرية (والد زوجة ابنه) طلب منه القدوم إلى منزلهم خوفاً من قصف محتمل، فانتقل مع عائلته إلى القرية قبل ساعات من الضربة. وأوضح أنهم انقسموا بين منزلين، حيث بقيت أسرته في منزل قريبهم، بينما توجه هو إلى منزل قريب آخر.
وبين الساعة 11:20 و11:30 ليلاً، سُمع دوي انفجار قوي أدى إلى تحطم زجاج المنازل المجاورة، دون أن يسبقه أي إنذار أو اشتباكات. هرع الشاهد إلى المنزل الذي كانت تقيم فيه أسرته، ليجده مدمّراً جزئياً، بينما كانت ابنته نسرين (19 عاماً) عالقة تحت الأنقاض وتستغيث قائلة: «أخرجوني من هنا.. أريد قطرة ماء، أنا أختنق».
وأفاد بأن القصف استمر أثناء محاولات الإنقاذ باستخدام “أنواع مختلفة من الأسلحة”، ما اضطر العائلة للاختباء داخل دورة المياه قبل الفرار لاحقاً إلى منزل مهجور قريب. وبسبب استمرار القصف ووجود طائرات مسيّرة في الأجواء، تعذّر الوصول إلى المصابين لساعات. ولم يتمكن مصطفى وأفراد من أسرته من إخراج نسرين إلا في صباح اليوم التالي باستخدام أدوات بدائية، ونُقلت لاحقاً إلى مشفى كوباني، فيما بقيت أربع جثث أخرى تحت الأنقاض لمدة يومين.
أسفر القصف عن مقتل خمسة أفراد من العائلة نفسها: فاطمة حج محمود (60 عاماً)، جميلة شيخ نبي (65 عاماً)، نفش شيخ بوزان (23 عاماً)، والطفلان سولين وكانيوار شيخ بوزان (4 و3 سنوات). كما أُصيب خمسة آخرون بجروح متفاوتة: شيريهان حج محمود (32 عاماً)، فاطمة حج محمود (20 عاماً)، نسرين شيخ بوزان (19 عاماً)، ومسعود شيخ بوزان (6 سنوات).
وأشار الشاهد إلى أن إحدى الضحايا، فاطمة حج محمود، عُثر على جثتها على بعد أمتار من المنزل، ما يرجّح استخدام ذخائر ثقيلة تسببت بقذف الجثمان خارج البناء.
وجاء هذا القصف بعد إعلان وقف إطلاق نار بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، حيث أصدرت قوات سوريا الديمقراطية بياناً متهمة قوات الحكومة بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، ولا سيما في محيط كوباني (خراب عشك والجلبية).
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن الضربة استهدفت تجمعاً مدنياً في غياب اشتباكات مباشرة أو أهداف عسكرية ظاهرة في محيط الموقع، ما يُشكل انتهاكاً لمبدأ التمييز وحظر استهداف المدنيين، وواجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة أثناء الهجوم. كما أن استمرار القصف أثناء محاولات الإنقاذ، ومنع الوصول الآمن إلى الضحايا، قد يشكل خرقاً إضافياً لواجب حماية الجرحى وضمان الإغاثة الإنسانية، وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.

صور الضحايا: فاطمة حج محمود (60 عاماً)، جميلة شيخ نبي (65 عاماً)، نفش شيخ بوزان (23 عاماً)، والطفلان سولين وكانيوار شيخ بوزان (4 و3 سنوات). المصدر: عائلة الضحايا.
ثانياً: القتل على خلفية الهوية القومية
- استهداف عائلة كُردية أثناء النزوح – ريف دير الزور | 18 كانون الثاني/يناير 2026
في إطار إعداد هذا التقرير، تمّ التحقق من حادثة قتل عمد استهدفت عائلة كُردية أثناء محاولتها النزوح من مدينة الرقة باتجاه محافظة الحسكة بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير 2026، وأسفرت عن مقتل ستة أشخاص، بينهم امرأة وطفلتان، وإصابة ستة آخرين، بينهم امرأة وخمسة أطفال.
استند التوثيق إلى مواد مصوّرة وتسجيلات صوتية جرى التحقق من اتساقها، وحفظها في قاعدة بيانات رابطة تآزر، إضافةً إلى مقابلة مع ناشطة كانت على تواصل مباشر مع أحد الناجين/ات في سياق متابعة الحادثة.
وبحسب إفادة إحدى الناجيات، كانت العائلة المؤلفة من اثني عشر شخصاً تستقل شاحنة مدنية من نوع “كيا” عند إيقافها من قبل مجموعة مسلحة قرب قرية أبو خشب، سأل المسلحون أفراد العائلة عن مكان قدومهم ثم عن انتمائهم القومي، وعندما أجابت العائلة بأنها كُردية ولا تنتمي إلى أي حزب سياسي، أصدر أحد المسلحين أمراً بإطلاق النار.
تُظهر المواد المرئية التي جرى التحقق منها إصابات مركّزة في الجزء العلوي من أجساد الضحايا، ولا سيما الرأس، ما يرجّح وقوع قتل متعمد من مسافة قريبة.
الضحايا الذين فقدوا/فقدن حياتهم/ن هم: محمد إسماعيل صالح (50 عاماً)، سارة شاهين صالح (49 عاماً)، يوسف محمد صالح (20 عاماً)، ليلى محمد صالح (17 عاماً)، أفين محمد صالح (10 أعوام)، ومحمود أحمد صالح (26 عاماً). أما المصابون الستة فهم: شيرين محمد صالح (25 عاماً)، غزال محمد صالح (16 عاماً)، إبراهيم محمد صالح (13 عاماً)، شادي محمود صالح (6 أعوام)، لافند محمود صالح (سنتان ونصف)، وإبراهيم محمود صالح (4 أعوام)، وقد تعرضوا لإصابات بطلقات نارية أثناء محاولة الفرار.
وتشير الإفادات إلى اعتداء على حرمة الجثامين عقب القتل، حيث يظهر أحد المقاطع فقء عين أحد الضحايا، إضافة إلى ترك القتلى في مكانهم ونقل الجرحى وتركهم لاحقاً في منطقة صحراوية قرب دير الزور، قبل أن تقوم عائلة محلية بإسعافهم. ولم يتلقّ المصابون رعاية طبية كافية في دير الزور، ونُقلوا لاحقاً إلى الرقة. كما أفادت العائلة بعدم حصولها على معلومات واضحة بشأن مصير جثامين الضحايا.
تشير هذه الواقعة إلى مؤشرات قوية على ارتكاب قتل خارج نطاق القانون بحق مدنيين، في سياق يبدو قائماً على التمييز على أساس الهوية القومية، ما يشكل انتهاكاً جسيماً للحق في الحياة وقد يرقى إلى جريمة حرب. كما أن إطلاق النار على أطفال، والاعتداء على حرمة الجثامين، وترك الجرحى دون إسعاف، تمثل انتهاكات إضافية لقواعد القانون الدولي الإنساني، تستوجب فتح تحقيقات مستقلة لتحديد هوية الجناة، وسلسلة القيادة، والمسؤوليات الفردية، وضمان المحاسبة وجبر الضرر.

صور الضحايا الذين/اللواتي فقدوا/فقدن حياتهم/ن أثناء محاولة العائلة النزوح من مدينة الرقة باتجاه محافظة الحسكة بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير 2026. المصدر: عائلة الضحايا.
ثالثاً: انتهاكات حرمة الموتى والتنكيل بالجثامين في سياق السيطرة العسكرية
وثّقت رابطة تآزر عدداً من المقاطع المصوّرة التي تُظهر ممارسات تنكيل وإهانة لجثث أشخاص قُتلوا خلال العمليات العسكرية أو عقب السيطرة على مناطق في محافظة الرقة وحيّي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب. وقد خضعت مجموعة من هذه المواد لعمليات تحقق تقني وسياقي، أكدت صحة عدد منها من حيث الزمان والمكان، بينما لا يزال بعضها قيد التحليل والمقاطعة.
تُظهر بعض المقاطع جثث أشخاص ملقاة على الأرض، بعضهم يرتدي لباساً عسكرياً وآخرون لباساً مدنياً، مع آثار حرق أو تشويه في عدد من الحالات، بما في ذلك بتر الأذن اليسرى لأحد القتلى. وصُوّر أحد هذه المقاطع عند المدخل الجنوبي لمدينة الرقة، في نقطة تُعرف محلياً باسم “المقص“، بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير 2026. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الضحايا العسكريين الظاهرين في الفيديو يُرجّح انتماؤهم إلى قوات سوريا الديمقراطية.

لقطات شاشة مأخوذة من مقطع مصوّر بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير 2026 عند المدخل الجنوبي لمدينة الرقة. تُظهر جثث عدد من الضحايا بلباس عسكري وآخرون بلباس مدني. ويظهر أحد القتلى في الجهة اليسرى من الصورة وقد تعرّض لبتر في أذنه. خضعت الصور لعملية تدقيق تقني، واقتصر التدخل عليها على تحسين الجودة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دون إجراء أي تعديل على المحتوى الأصلي.
كما تُظهر مقاطع أخرى قيام عناصر مسلحة بالدعس على الجثث، وإطلاق ألفاظ مهينة ذات طابع تحريضي، من قبيل (كلاب، خنازير، إلخ..)، إضافة إلى عبارات تشير إلى نحر الضحايا بالسكاكين.
ويُسمع في أحد المقاطع صوت المصوّر وهو يقول: “نحر، نحر بالسكاكين للهفالات”، في إشارة إلى انتماء الضحايا لقوات سوريا الديمقراطية، حيث تُستخدم كلمة “الهفالات” في السياق الكُردي للدلالة على “الرفاق”. وتُظهر مواد أخرى تشويهاً إضافياً للأجساد، سواء نتيجة طبيعة السلاح المستخدم أو بسبب إطلاق النار من مسافة قريبة بعد الوفاة.
وفي مقطع مصوّر بتاريخ 10 كانون الثاني/يناير 2026 عقب السيطرة على حيّ الشيخ مقصود، يظهر إلقاء جثة مقاتلة كُردية من أعلى أحد الأبنية على وقع صيحات التكبير والتهليل، وسحل جثة شخص آخر يرتدي جعبة عسكرية على درج مبنى سكني، إضافةً إلى مشاهد لإهانة أشخاص أثناء احتجازهم.

لقطات شاشة من فيديو يُظهر إلقاء جثة مقاتلة كُردية من أعلى أحد الأبنية في حيّ الشيخ مقصود بمدينة حلب، عقب دخول “الجيش العربي السوري” إلى الحيّ بتاريخ 10 كانون الثاني/يناير 2026.
كما وثّقت تآزر مقطعاً آخر يُظهر خمس جثث لأشخاص تبدو عليهم آثار إطلاق نار، مع ظهور قيود أو أربطة في أيدي بعضهم خلف الظهر، ما يرجّح أنهم كانوا في وضع يحد من قدرتهم على المقاومة لحظة إطلاق النار، الأمر الذي يثير شبهة القتل خارج نطاق القانون أو الإعدام الميداني.
في المقابل، اطّلع فريق التقرير على مقطعين مصوّرين متداولين عبر منصات التواصل الاجتماعي يوثّقان واقعة قتل بحق 21 شخصاً في ريف مدينة كوباني. ويُظهر أحد المقطعين مشاهد تمثيل بالجثث جرى توثيقها ليلاً، مصحوبة بعبارات وعيد باللغة الكُردية، فيما يُظهر المقطع الثاني، المصوّر في وضح النهار، عملية إحصاء للجثث مع تأكيد عدد الضحايا ذاته. وقد أظهر التحليل البصري والمكاني تطابقاً بين عدد الضحايا والطبيعة الجغرافية في كلا التسجيلين.
وبتاريخ 24 كانون الثاني/يناير 2026، أصدرت قوات سوريا الديمقراطية توضيحاً رسمياً عبر مركزها الإعلامي أقرت فيه بصحة الفيديو، وأفادت بأن الواقعة صُوّرت في قرية خروص جنوب كوباني، وأظهرت أحد عناصرها وهو يصوّر نفسه إلى جانب جثث القتلى. وذكرت قسد أن الحادثة وقعت عقب تصدّيها لهجوم نفذته فصائل موالية لدمشق، معتبرة ما جرى تصرفاً فردياً لا يعكس مبادئها، وأعلنت استبعاد العنصر الظاهر في التسجيل من صفوفها وإحالته إلى المحكمة العسكرية لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقه.
ورغم تعذّر تحديد الموقع الجغرافي الدقيق لبعض المقاطع، فإن المؤشرات البصرية والسمعية وسياق النشر تشكل قرائن تستوجب تحقيقاً مستقلاً. وقد رصدت تآزر أكثر من 200 مقطع مصوّر منذ بدء التصعيد، تتضمن مؤشرات أولية على أنماط متعددة من الانتهاكات، وبينما جرى التحقق من جزء منها وتحديد زمانه ومكانه، لا يزال جزء آخر قيد المقاطعة والتحليل.
تشكل هذه الممارسات، بما في ذلك التنكيل بالجثامين وإهانتها العلنية وتصويرها ونشرها، انتهاكاً للقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني التي توجب احترام الموتى وحظر التمثيل بهم أو معاملتهم معاملة مهينة. كما أن ظهور ضحايا مكبّلي الأيدي يرجّح وقوع قتل خارج نطاق القانون أو إعدام ميداني، وهو من أخطر الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب المساءلة الجنائية الفردية.
ولا يقتصر أثر هذه الأفعال على الضحايا المباشرين، بل يمتد إلى المجتمع الأوسع بوصفها رسالة ترهيب جماعية، تعزز مناخ الإفلات من العقاب وتقوّض أسس السلم الأهلي. يجب فتح تحقيقات مستقلة وفعّالة لتحديد المسؤوليات الفردية والقيادية، وضمان محاسبة المتورطين، واتخاذ تدابير واضحة لمنع تكرار هذه الممارسات وضمان احترام الحد الأدنى من الضمانات الإنسانية في جميع الأوقات.
رابعاً: الاعتقال التعسفي والفقدان/الإخفاء القسري كنمط ممتد عبر الجغرافيا
وثّق التقرير موجة واسعة من الاعتقالات التعسفية وحالات الفقدان/الإخفاء القسري التي بدأت مع السيطرة العسكرية على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، وامتدت لاحقاً إلى مناطق أخرى في شمال شرق سوريا، في سياق انسحابات متتالية لقوات سوريا الديمقراطية وتقدّم القوات التابعة للحكومة السورية.
حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، يجري التحقق مما لا يقل عن 541 حالة فقدان أو إخفاء قسري في مدينة حلب وحدها، بينهم 26 امرأة، إضافة إلى عشرات الحالات الأخرى في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة. وترافقت هذه الحالات مع غياب شبه كامل لأي معلومات رسمية حول أماكن الاحتجاز أو مصائر المحتجزين/ات.
وقد أصدرت منصة أسر المفقودين/ات في شمال وشرق سوريا بياناً طالبت فيه بالوقف الفوري للاعتقالات العشوائية في الأحياء الكُردية بمدينة حلب، والكشف الكامل عن أسماء الموقوفين/ات وأماكن احتجازهم/ن، وتمكينهم/ن من التواصل مع عائلاتهم/ن ومحاميهم/ن.
وفق الإفادات التي جُمعت، جرت عمليات التوقيف غالباً أثناء حملات تفتيش أو على الحواجز، أو عقب تجميع مدنيين في نقاط محددة بعد دخول القوات إلى الأحياء. وفي معظم الحالات، لم يُبلَّغ المحتجزون بأسباب توقيفهم، ولم تُبرز أوامر قضائية، كما لم تتلقّ العائلات أي إشعارات رسمية.
وفي عدد من الحالات التي أُفرج فيها عن محتجزين لاحقاً، أفاد المفرج عنهم بتعرضهم لمعاملة مهينة، واحتجازهم في أماكن غير معلومة، دون تمكينهم من التواصل مع ذويهم أو الحصول على أي ضمانات قانونية.
يشكل احتجاز الأشخاص دون سند قانوني معلن، ودون إخطارهم بأسباب التوقيف، وحرمانهم من التواصل مع عائلاتهم أو محامين، اعتقالاً تعسفياً بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وعندما يقترن ذلك بإخفاء مكان الشخص أو مصيره، وحرمانه من حماية القانون، يقترب النمط من الإخفاء القسري، وهو انتهاك مركّب يطال حقوق الضحية وذويه في آن معاً.
كما أن الطابع الواسع والمتكرر لهذه الحالات، وتزامنها مع تبدّل السيطرة العسكرية، يشير إلى نمط ممنهج يتطلب تحقيقات مستقلة لتحديد المسؤوليات الفردية والقيادية، وضمان الإفراج عن المحتجزين/ات تعسفاً، والكشف عن مصير المفقودين/ات، وتوفير سبل الانتصاف للضحايا وأسرهم/ن.
خامساً: الإذلال العلني والمعاملة المهينة في سياق السيطرة العسكرية على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية
تُظهر المواد الموثقة خلال الفترة الممتدة بين 6 و10 كانون الثاني/يناير 2026، عقب دخول القوات التابعة للحكومة السورية إلى حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، نمطاً متكرراً من المعاملة المهينة والإذلال العلني بحق مدنيين جرى تجميعهم واحتجازهم مؤقتاً، ترافق في عدد من الحالات مع تهديدات مباشرة وشتائم وخطاب تحريضي قائم على الهوية القومية.
وتُظهر التسجيلات المصوّرة تعرّض مدنيين جرى تجميعهم واحتجازهم لإهانات مباشرة وتهديدات، ووصمهم/ن بأوصاف مهينة تحطّ من الكرامة الإنسانية. ففي أحد المقاطع، على سبيل المثال، يظهر احتجاز عشرات المدنيين، بينهم نساء، في وضع جماعي مهين، بينما يتنقّل المصوّر بينهم مطلقاً عبارات ازدراء ذات طابع تحريضي، قال فيها حرفياً: «هذه أسيرات وأسرى الخنازير»، و«الحمد لله الذي أذلّهم ونصر عبده»، و«هؤلاء مشاريع الفدرالية»، و«هؤلاء الخنازير، الملاحدة»، و«كلاب قنديل». ويقترن هذا الخطاب بتهديدات صريحة وتوعّد بمحاسبة المحتجزين/ات خارج أي إطار قانوني.
ووفق الإفادات والمقاطع المصوّرة التي جرى التحقق منها، تكرر سيناريو ميداني تضمن: تجميع مدنيين/ات في نقاط محددة، ثم احتجازاً مؤقتاً أو نقلاً قسرياً دون سند قانوني أو إخطار العائلات، يتبعه إخضاع المحتجزين لإذلال علني، غالباً في سياق قابل للتصوير، شمل شتائم وعبارات وصم تُحمّل الضحية معنىً جمعياً مرتبطاً بالهوية والانتماء.
وتُظهر بعض المقاطع استخدام عبارات مهينة وتحريضية في مشاهد تُقوّض مبدأ الكرامة الإنسانية، وتُنتج ما يمكن وصفه بـ“العقاب الرمزي”، حيث لا يكون الهدف معاقبة فرد بعينه، بل بث الخوف وكسر الثقة داخل المجتمع المحلي.
ويلاحظ التقرير دلالة مقلقة تمثّلت في تدخلات ميدانية ركزت في عدد من الحالات على منع التصوير أو مصادرة الهواتف، أكثر من تركيزها على وقف الانتهاكات نفسها أو مساءلة مرتكبيها. ويشير هذا السلوك إلى أولوية إسكات التوثيق على حماية الضحايا، بما يعزز بيئة الإفلات من العقاب.
تشكل الممارسات الموثقة، بما في ذلك الإذلال العلني، والتهديد، والوصم القائم على الهوية، انتهاكاً للحظر المطلق للمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتستوجب تحقيقات مستقلة وآليات مساءلة فعّالة.
سادساً: النزوح القسري وتقييد الوصول إلى الخدمات الأساسية
أسفر التصعيد العسكري في مدينة حلب ومناطق شمال شرق سوريا خلال كانون الثاني/يناير 2026 عن موجات نزوح واسعة، في سياق اتسم بالقصف المباشر، والانتهاكات الأمنية، وتقييد الوصول إلى الخدمات الأساسية، وغياب الضمانات اللازمة للعودة الآمنة.
تشير المعطيات المتقاطعة إلى نزوح أكثر من 160 ألف شخص من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية باتجاه أحياء أخرى في حلب ومدينة عفرين، إضافة إلى تهجير ما لا يقل عن 292 عائلة نحو شمال شرق سوريا.
وفي شمال شرق سوريا، وثّق التقرير موجة نزوح سريعة تجاوزت 130 ألف نازح/ة، تركز معظمهم في مدينتي القامشلي والمالكية/ديريك، حيث لجأت العائلات إلى مدارس ومبانٍ عامة غير مهيأة، وسط اكتظاظ شديد ونقص حاد في المياه والكهرباء والخدمات الصحية، إضافة إلى تعطّل العملية التعليمية.
ورغم عودة بعض السكان لاحقاً، لا تزال عشرات العائلات غير قادرة على العودة بسبب تضرر المنازل أو المخاوف الأمنية. كما لا تزال آلاف العائلات متمركزة في مراكز إيواء بمحافظة الحسكة.
وبالتوازي مع النزوح، فُرضت قيود مشددة على الوصول إلى الخدمات الأساسية، ولا سيما في كوباني، شملت انقطاع أو تقييد الكهرباء والمياه والاتصالات، وإغلاق الطرق، ما أدى إلى تفاقم أزمة الغذاء والدواء والتدفئة والاستجابة الصحية. وعلى الرغم من دخول بعض القوافل الإنسانية، لا يزال الوضع الإنساني بالغ الخطورة.
وقد أدى اللجوء إلى المدارس والمباني العامة كمراكز إيواء إلى تعريض الأطفال والنساء وكبار السن لمخاطر صحية متزايدة، في ظل محدودية مرافق الصرف الصحي، وغياب الخصوصية، وضعف القدرة على تقديم الرعاية الطبية والدعم النفسي.
إنّ قطع أو تقييد الوصول إلى الماء والكهرباء والاتصالات، وإغلاق الطرق بصورة تؤدي إلى حرمان واسع من الغذاء والدواء والرعاية الصحية، لا يمكن تبريره باعتباره إجراءً أمنياً محايداً عندما يكون أثره المتوقع والفعلي هو إلحاق ضرر جسيم بالمدنيين، وقد يرقى إلى عقاب جماعي أو استخدام معاناة المدنيين كوسيلة ضغط.
ويؤكد التقرير أن حماية النازحين وضمان العودة الطوعية والآمنة والكريمة، ورفع القيود عن الخدمات الأساسية، تشكل التزامات قانونية تقع على عاتق الأطراف المسيطرة، ولا يجوز تعليقها على اعتبارات سياسية أو عسكرية.
سابعاً: التحذير غير الفعّال وقصف الأحياء السكنية
في سياق العمليات العسكرية في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، استخدمت القوات التابعة للحكومة السورية ما سُمّي “الخرائط التحذيرية” قبل تنفيذ بعض الضربات، عبر نشر إحداثيات جغرافية رقمية لمناطق قيل إنها ستُستهدف عسكرياً.
وقد قُدّم هذا الإجراء على أنه تحذير مسبق للمدنيين، إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن هذه الخرائط لم تكن مفهومة أو قابلة للتطبيق عملياً من قبل السكان، لا سيما في ظل انقطاع الكهرباء وخدمات الإنترنت والاتصالات عن الأحياء المستهدفة. كما أظهرت الخرائط المنشورة نطاق استهداف واسع شمل أبنية سكنية متعددة، ما يعني عملياً تعريض أعداد كبيرة من المدنيين للخطر.

صور لبعض المواقع التي تمّ تحديدها في “الخرائط التحذيرية” التي نُشرت عبر الإعلام الرسمي السوري خلال العمليات العسكرية في حييّ الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب بين 6 و10 كانون الثاني/يناير 2026.
إن نشر إحداثيات رقمية معقّدة يفترض توفر أدوات تقنية ومعرفة متخصصة بقراءة الخرائط وربطها بالحيّز المكاني المحيط، وهي شروط غير متاحة للمدنيين، الذين اضطروا لاتخاذ قرارات مصيرية خلال دقائق، تحت القصف، وفي ظل حالة هلع جماعي ووجود أطفال وكبار سن ومرضى.
تنص المادة 57 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على أنّ “واجب التحذير” يقتضي أن يكون التحذير فعّالاً وواضحاً وقابلاً للتطبيق، ومقترناً بتدابير تمكّن المدنيين من حماية أنفسهم. وفي هذه الحالة، لا يستوفي ما جرى مستوى التحذير الفعّال، بل يبدو محاولة لنقل عبء الحماية من الطرف المهاجم إلى المدنيين أنفسهم، بما يتعارض مع جوهر واجب اتخاذ الاحتياطات أثناء الهجوم.
وتشير الوقائع الموثقة إلى أن القصف طال مناطق مأهولة بالسكان، وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن 45 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، وإصابة أكثر من 120 آخرين، إضافةً إلى أضرار واسعة في المنازل والمنشآت المدنية والطبية. مع تسجيل استمرار القصف أثناء محاولات إسعاف الضحايا في بعض المواقع. كما رصد التقرير سقوط ضحايا مدنيين جراء قصف نفذته قوات سوريا الديمقراطية على أحياء مأهولة أخرى في مدينة حلب خلال الفترة نفسها، ما يؤكد أن المدنيين وجدوا أنفسهم عرضة للخطر من طرفي النزاع، في سياق تبادل الضربات داخل مناطق سكنية مكتظة.
وقد يرقى هذا النمط، بحسب ظروف كل واقعة، إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة الجنائية الفردية، ولا سيما في حال ثبوت العلم المسبق بالطابع المدني للمناطق المستهدفة.
المسؤولية القانونية:
تشير مجمل الوقائع الموثقة في هذا التقرير إلى نمط متكرر من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ارتُكبت في سياق النزاع المسلح خلال كانون الثاني/يناير 2026 في مدينة حلب ومناطق شمال شرق سوريا. وتشمل هذه الانتهاكات القصف الذي طال مدنيين وأعياناً مدنية، واستخدام تحذيرات غير فعّالة في مناطق مأهولة، والاعتقال التعسفي والفقدان/الإخفاء القسري، والمعاملة القاسية والمهينة والإذلال العلني القائم على الهوية، والانتهاكات المرتبطة بحرمة الموتى، إضافة إلى السلب والنهب ومصادرة الممتلكات، والتهجير القسري، وتقييد الوصول إلى الخدمات الأساسية بصورة ألحقت ضرراً واسعاً بالسكان المدنيين.
وبحسب طبيعة كل واقعة وسياقها، تثير هذه الأفعال شبهات جدية بخرق مبادئ التمييز والتناسب وواجب اتخاذ الاحتياطات أثناء الهجوم، وحظر الهجمات العشوائية، والضمانات الأساسية للأشخاص الخارجين عن القتال، بما في ذلك حظر القتل خارج نطاق القانون والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة، واحترام حرمة الجثامين، وحماية الجرحى والمرضى. كما أن الطابع الواسع والمتكرر للاعتقالات دون سند قانوني، مقروناً بحجب المعلومات عن أماكن الاحتجاز أو المصير، يرقى إلى نمط من الاعتقال التعسفي وقد يقترب من الإخفاء القسري، وهو انتهاك مركّب يمسّ حقوق الضحايا وذويهم في آن واحد.
وتشير الوقائع المتعلقة بالنزوح واسع النطاق وتقييد الماء والكهرباء والاتصالات والطرق، عندما تُقرأ في ضوء آثارها المتوقعة والواقعة على المدنيين، إلى استخدام المعاناة الإنسانية كوسيلة ضغط، بما قد يرقى إلى عقاب جماعي أو تهجير قسري للسكان. كما أن القتل على خلفية الهوية القومية، إذا ما ثبت ارتباطه بالسياق النزاعي وبنية الاستهداف، يشكل انتهاكاً جسيماً للحق في الحياة وقد يرقى إلى جريمة حرب.
ولا تقتصر المسؤولية القانونية على المنفذين المباشرين، بل تمتد لتشمل القيادات العسكرية والأمنية التي كانت تعلم أو يفترض أن تعلم بوقوع هذه الانتهاكات ولم تتخذ إجراءات معقولة لمنعها أو لمحاسبة مرتكبيها، إضافة إلى مسؤولية الجهات المسيطرة عن تنظيم القوات التابعة لها، وضبط الخطاب التحريضي، وضمان التحقيق الفعّال، وجبر الضرر، ومنع التكرار.
وبناءً عليه، يرى التقرير أن تكرار هذه الأنماط عبر الجغرافيا والزمن يشير إلى خلل بنيوي في الالتزام بقواعد حماية المدنيين، ويستوجب فتح تحقيقات مستقلة وشفافة لتحديد المسؤوليات الفردية والقيادية، وضمان المساءلة، وكشف مصير المفقودين، والإفراج عن المحتجزين تعسفاً، ووضع حماية المدنيين والكرامة الإنسانية في صلب أي ترتيبات سياسية أو أمنية لاحقة.
التوصيات:
أولاً: إلى جميع الأطراف المسلحة دون استثناء
- ضمان استدامة وقف إطلاق النار ومنع أي عمليات عسكرية قد تهدّد المدنيين، مع الامتثال الصارم لمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات، وحظر أي ضربات في محيط المنشآت الطبية ومراكز الإيواء والمدارس.
- حظر مطلق للقتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، والمعاملة المهينة، والتنكيل بالجثامين، وإصدار أوامر عمليات مكتوبة تُجرّم هذه الأفعال مع مساءلة علنية للمخالفين.
- الوقف الفوري للاعتقالات التعسفية، وإنشاء سجل مركزي معلن للمحتجزين/ات يتضمن الأسماء وأماكن الاحتجاز وتواريخ التوقيف، وتمكين التواصل مع العائلات والمحامين.
- الكشف الفوري عن مصير جميع المفقودين/ات، وعدم ربط المعلومات بأي اعتبارات سياسية أو عسكرية.
ثانياً: إلى الجهات المسيطرة ميدانياً ومرافق الاحتجاز
- السماح الفوري لجهات مستقلة ومحايدة بزيارة أماكن الاحتجاز والتحقق من السلامة الجسدية والقانونية للمحتجزين/ات.
- تعليق أي عنصر يشتبه بشكل جدي بتورطه في انتهاكات جسيمة عن المهام الميدانية الحساسة إلى حين انتهاء التحقيقات.
- وقف السلب والنهب ومصادرة الممتلكات فوراً، وإنشاء آلية شكاوى وتعويضات قابلة للوصول، وضمان ردّ الممتلكات أو جبر الضرر.
ثالثاً: بشأن النزوح والخدمات الأساسية
- رفع القيود المفروضة على الماء والكهرباء والاتصالات والطرق، ومنع استخدام الخدمات الأساسية كأداة ضغط أو عقاب.
- فتح ممرات إنسانية آمنة وقابلة للتحقق بإشراف أممي، وتسهيل دخول القوافل بصورة منتظمة.
- حماية مراكز الإيواء ومنع عسكرة المدارس والمباني العامة، وتأمين الحد الأدنى من شروط الكرامة (ماء، صرف صحي، تدفئة، رعاية صحية، تعليم طارئ).
رابعاً: إلى المجتمع الدولي والجهات الضامنة
- إنشاء آلية مستقلة وفعّالة لمراقبة وقف إطلاق النار، تشمل التحقق الميداني والإبلاغ العلني المنتظم عن الخروقات، وربط أي ترتيبات أمنية لاحقة بضمانات ملموسة لحماية المدنيين.
- دعم وتمديد ولاية لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، وضمان وصولها إلى المناطق المتأثرة، وتمكينها من مواصلة توثيق الانتهاكات وتحديد أنماط المسؤولية.
- تعزيز التعاون مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة لجمع الأدلة وتحليلها وحفظها، وتسهيل الإحالات القضائية حيثما أمكن، بما في ذلك استخدام الولاية القضائية العالمية.
- دعم عمل المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، والتعاون معها للكشف عن مصير المفقودين/ات وتوفير قنوات منتظمة للتواصل مع العائلات.
- ربط أي دعم سياسي أو مالي بمعايير حقوقية قابلة للقياس، تشمل الإفراج عن المحتجزين/ات تعسفاً، وكشف مصير المفقودين/ات، ووقف خطاب التحريض، وضمان الوصول الإنساني دون عوائق.
- توفير حماية خاصة للمدافعين/ات عن حقوق الإنسان والصحفيين/ات والشهود، وإنشاء قنوات آمنة للإبلاغ.
خامساً: بشأن العدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار
- اعتماد خطة جبر ضرر متعددة المستويات تشمل التعويض، وإعادة التأهيل الطبي والنفسي، والدعم القانوني للأسر، وإعادة الخدمات الأساسية كأولوية.
- إدخال تدريب إلزامي على حماية المدنيين وقواعد الاشتباك لجميع القوات.
- منع تولي منتهكي الحقوق مواقع القيادة عبر آليات تدقيق مستقلة.
- إشراك ممثلي السكان فعلياً في أي ترتيبات أمنية أو إدارية تمس حياتهم وحقوقهم.
للاطّلاع على التقرير كاملاً بصيغة PDF، يُرجى النقر على هذا الرابط.
