الرئيسية منشورات المنصةأولويات أسر المفقودين/ات في سوريا وتصوراتهم/ن للاستجابة الوطنية والدولية

أولويات أسر المفقودين/ات في سوريا وتصوراتهم/ن للاستجابة الوطنية والدولية

تقرير تحليلي يستند إلى شهادات أسر المفقودين/ات وناجين/ات من الإخفاء القسري

بواسطة editor
36 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع
  1. الملخص التنفيذي:

تكشف تجربة أسر المفقودين/ات في سوريا كيف تحول الفقدان إلى واقع ممتد يعيد تشكيل حياتها، وينعكس على أوضاعها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية. فما تزال آلاف الأسر تبحث عن الحقيقة بشأن مصير أحبائها، في ظل صعوبة الوصول إلى معلومات موثوقة، وضعف الاستجابة لاحتياجاتها، ومحدودية المشاركة الفاعلة في الجهود الرامية إلى معالجة القضية.

يستند هذا التقرير، الذي أُعد بصورة مشتركة بين منصة أسر المفقودين/ات في شمال وشرق سوريا ورابطة تآزر للضحايا، إلى تحليل ثلاثين شهادة، بينها أربع وعشرين شهادة لأفراد من أسر المفقودين/ات والمختفين/ات قسراً، وست شهادات لناجين/ات من الاحتجاز والإخفاء القسري في شمال وشرق سوريا، إلى جانب مراجعة المعايير الدولية ذات الصلة، والاستنارة بمشاورات مع خبراء وفاعلين في مجال حقوق الإنسان وقضية المفقودين/ات.

ويركز التقرير على فهم احتياجات الأسر وأولوياتها كما تعبر عنها هي نفسها، بما يسهم في تطوير سياسات وآليات أكثر استجابة لحقوق الضحايا، ويضع أصوات الأسر وتجاربها في صميم النقاشات والجهود الوطنية والدولية المتعلقة بقضية المفقودين/ات.

وتظهر الشهادات أن آثار الفقدان تمتد إلى مختلف جوانب حياة الأسرة، إذ أدى استمرار الغموض بشأن المصير إلى أعباء نفسية واجتماعية واقتصادية وقانونية تراكمت على مدى سنوات، وأعاد تشكيل أدوار أفراد الأسرة، وفرض مسؤوليات جديدة، ولا سيما على النساء والأطفال، وأثر في قدرتهم/ن على التخطيط للمستقبل وإدارة شؤون حياتهم/ن.

كما تكشف الشهادات أن رحلة البحث عن الحقيقة تحولت بالنسبة لكثير من الأسر إلى مسار طويل وشاق، اتسم بغياب قنوات موثوقة للحصول على المعلومات، ما عرض العديد منها للاستغلال والابتزاز والاحتيال المالي، وأدى إلى استنزاف مواردها وتعميق معاناتها.

وفي الوقت نفسه، تبرز شهادات الناجين/ات من الاحتجاز والإخفاء القسري بوصفها مورداً مهماً يمكن أن يدعم جهود كشف الحقيقة، لما يمتلكونه من معارف وخبرات حول أماكن الاحتجاز وأنماط الإخفاء، شريطة ضمان مشاركتهم بصورة آمنة وطوعية، وتوفير الحماية والدعم اللازمين لهم/ن.

ورغم اختلاف ظروف الفقدان والجهات المسؤولة عنه، تكشف نتائج التقرير عن تقارب واضح في أولويات الأسر، حيث جاءت معرفة الحقيقة في مقدمة هذه الأولويات، باعتبارها المدخل لإنهاء سنوات الانتظار وعدم اليقين. وترتبط هذه الأولوية ارتباطاً وثيقاً بالمطالبة بالعدالة، وجبر الضرر، وضمان مشاركة الأسر مشاركة حقيقية وفاعلة في تصميم السياسات والآليات والبرامج المتعلقة بالقضية، انطلاقاً من إدراكها أن هذه العناصر تشكل استجابة متكاملة لا يمكن فصلها.

وتظهر مراجعة المعايير الدولية أن هذه الأولويات لا تعكس تطلعات الأسر فحسب، وإنما تستند أيضاً إلى حقوق معترف بها في القانون الدولي، تشمل الحق في معرفة الحقيقة، والحق في العدالة، والحق في جبر الضرر، والحق في المشاركة، بما يعزز اتساق مطالب الأسر مع الإطار الدولي الناظم لحقوق الضحايا.

ويخلص التقرير إلى أن تطوير استجابة أكثر فاعلية لقضية المفقودين/ات في سوريا يبدأ بالاستماع إلى أسر المفقودين/ات، وفهم احتياجاتها وأولوياتها، وإشراكها بصورة آمنة وفاعلة في جميع الجهود الرامية إلى كشف الحقيقة، وتحقيق العدالة، وجبر الضرر.

واستناداً إلى هذه النتائج، يقدم التقرير مجموعة من التوصيات التي توفر مساراً عملياً لترجمة أولويات الأسر إلى سياسات وآليات قابلة للتنفيذ، بما يساعد الجهات الوطنية والدولية على تطوير استجابة أكثر فاعلية، تستند إلى احتياجات الأسر وتتسق مع المعايير الدولية.

 

  1. مقدمة:

تُعد قضية المفقودين/ات والمختفين/ات قسراً في سوريا من أكثر القضايا الإنسانية والحقوقية تعقيداً واستمراراً. فبعد سنوات من النزاع والانتهاكات، ما تزال عشرات الآلاف من الأسر تجهل مصير أحبائها، وتعيش آثار الفقدان في مختلف جوانب حياتها، في ظل استمرار الغموض، وغياب المعلومات الموثوقة، وتأخر الوصول إلى الحقيقة.

وخلال السنوات الماضية، شهدت القضية اهتماماً متزايداً على المستويين الوطني والدولي، تمثل في إنشاء آليات ومبادرات جديدة، وإطلاق جهود تهدف إلى كشف مصير المفقودين/ات، ودعم الضحايا وأسرهم/ن، وتعزيز المساءلة عن الانتهاكات. وتمثل هذه الجهود خطوات مهمة، إلا أن فاعليتها تبقى رهناً بمدى قدرتها على الاستجابة لاحتياجات أسر المفقودين/ات وإشراكها بصورة حقيقية في الجهود الرامية إلى معالجة القضية.

ينطلق هذا التقرير من هذا المنظور، واضعاً تجارب أسر المفقودين/ات والناجين/ات من الاحتجاز والإخفاء القسري في مركز التحليل، باعتبارهم/ن أصحاب حقوق وشركاء أساسيين في جميع الجهود المتعلقة بالحقيقة والعدالة وجبر الضرر.

ولا يهدف التقرير إلى توثيق جميع حالات الفقدان في سوريا أو استعراض الانتهاكات المرتبطة بها، إذ تناولت ذلك تقارير ودراسات عديدة. وإنما تتمثل مساهمته في نقل صوت أسر المفقودين/ات، وتحليل أولوياتها وتصوراتها للاستجابة الوطنية والدولية، انطلاقاً من كونها الطرف الأكثر تأثراً بهذه القضية، والأقدر على تحديد احتياجاته وأولوياته.

ولتحقيق ذلك، يستند التقرير إلى تحليل ثلاثين شهادة جُمعت خصيصاً لهذا الغرض، وإلى مراجعة المعايير القانونية الدولية ذات الصلة، والاستنارة بمشاورات مع خبراء وفاعلين في مجال حقوق الإنسان وقضية المفقودين/ات. ويهدف إلى الإسهام في تطوير سياسات وآليات أكثر استجابة لحقوق الضحايا، وتعزيز حضور أصوات الأسر في النقاشات وصنع القرار، بما يدعم جهود كشف الحقيقة، وتحقيق العدالة، وجبر الضرر.

 

  1. المنهجية:

اعتمد هذا التقرير منهجية بحث نوعية تهدف إلى فهم تجارب أسر المفقودين/ات والمختفين/ات قسراً في سوريا، وتحليل احتياجاتها وأولوياتها وتصوراتها للاستجابة الوطنية والدولية. ويركز على تحليل الأنماط المشتركة التي برزت في الشهادات، بما يتيح فهماً أعمق لتجارب الأسر ويُسهم في تطوير سياسات وآليات أكثر استجابة لحقوق الضحايا.

يستند التقرير إلى تحليل ثلاثين شهادة، شملت أربعاً وعشرين شهادة لأفراد من أسر المفقودين/ات والمختفين/ات قسراً، وست شهادات لناجين/ات من الاحتجاز والإخفاء القسري، من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور وحلب. وروعي في اختيار المشاركين/ات تحقيق تنوع في الجنس والخلفيات والتجارب، إذ ضمت العينة خمسة عشر رجلاً وخمس عشرة امرأة، بما أتاح تمثيلاً أوسع للتجارب والآثار المرتبطة بالفقدان في سياقات مختلفة.

وجُمعت الشهادات باستخدام دليل مقابلات موحد أُعد خصيصاً لهذا التقرير، وتناول ظروف الفقدان أو الإخفاء، ومسارات البحث عن المفقودين/ات، والتحديات التي واجهتها الأسر، والآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية للفقدان، إضافة إلى احتياجات المشاركين/ات وأولوياتهم/ن ورؤيتهم/ن للحقيقة والعدالة وجبر الضرر والمشاركة.

ولإثراء التحليل، استند التقرير إلى مراجعة القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والمعايير الدولية المتعلقة بحقوق الضحايا والعدالة الانتقالية، كما استفاد من مشاورات مع خبراء وفاعلين في مجال حقوق الإنسان وقضية المفقودين/ات، إضافة إلى مراجعة مصادر وتقارير ودراسات ذات صلة.

واعتمد التقرير منهجية التحليل الموضوعي من خلال تصنيف الشهادات وفق الموضوعات الرئيسية، ثم تحليلها لاستخلاص الأنماط المشتركة المتعلقة بآثار الفقدان، ومسارات البحث عن الحقيقة، واحتياجات الأسر، وأولوياتها، ورؤيتها لمعالجة القضية.

وروعي في جميع مراحل البحث الالتزام بالمبادئ الأخلاقية المعتمدة في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان والبحوث القائمة على مشاركة الضحايا. فقد جرى الحصول على الموافقة المستنيرة من جميع المشاركين/ات بعد توضيح أهداف المقابلات وكيفية استخدام المعلومات. وحفاظاً على أمن المشاركين/ات وعائلاتهم/ن وسلامتهم/ن وخصوصيتهم/ن، استُخدمت أسماء مستعارة في جميع الشهادات والاقتباسات الواردة في التقرير، وأُزيلت أو حُجبت أي معلومات قد تفضي إلى التعرف على هوياتهم/ن أو تعريضهم/ن لأي مخاطر. كما حُفظت البيانات والوثائق المرتبطة بالمقابلات وفق إجراءات تضمن سريتها وحمايتها من الوصول غير المصرح به.

ويستند التقرير إلى شهادات المشاركين/ات بوصفها المصدر الرئيس لفهم تجاربهم/ن واحتياجاتهم/ن وأولوياتهم/ن. وعندما أمكن التحقق من الوقائع أو المعلومات الواردة في الشهادات، جرت مقاطعتها مع وثائق أو مصادر داعمة. أما التحليل والاستنتاجات الواردة في التقرير، فقد بُنيت على الأنماط المشتركة والمتكررة التي ظهرت عبر مجمل الشهادات، وليس على حالات فردية بعينها.

 

  1. لماذا تبقى قضية المفقودين/ات أزمة مستمرة؟

يكشف تحليل الشهادات أن استمرار الغموض بشأن مصير المفقودين/ات يشكل العامل الأكثر تأثيراً في حياة أسرهم/ن. فهو لا يقتصر على إبقاء مصير المفقود/ة مجهولاً، وإنما يمتد ليؤثر في الأوضاع النفسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية للأسر، ويعيد تشكيل أدوارها ومسؤولياتها، ويؤثر في أولوياتها وتوقعاتها من الجهات الوطنية والدولية.

ورغم اختلاف ظروف الفقدان، والجهات المسؤولة عنه، والفترات الزمنية التي وقعت خلالها الحالات، أظهرت الشهادات تقارباً واضحاً في التجارب التي عاشتها الأسر، وفي الآثار التي عايشتها. ويبين ذلك أن آثار الفقدان لا ترتبط بالحالة الفردية وحدها، وإنما تعكس واقعاً تفرضه طبيعة الاختفاء واستمرار غياب الحقيقة.

  • استمرار الغموض يطيل معاناة الأسر:

لم يكن مرور السنوات كافياً لتخفيف معاناة الأسر، لأن ما يثقل حياتها ليس الزمن بحد ذاته، بل استمرار الجهل بالمصير. فقد عبّر المشاركون/ات عن أن أصعب ما يواجهونه هو العيش بين احتمالات متناقضة، دون أي معلومة موثوقة تمكنهم من معرفة ما إذا كان أحباؤهم/ن ما زالوا أحياء، أو أين يوجدون، أو ما الذي جرى لهم/ن.

وينعكس هذا الغموض على الصحة النفسية لأفراد الأسرة، ويولد مشاعر مستمرة من القلق والخوف والحزن، ويجعل التخطيط للمستقبل أو اتخاذ قرارات مصيرية أمراً بالغ الصعوبة. كما يبقي الأسرة عالقة بين الأمل واليأس، دون قدرة على إنهاء حالة الانتظار.

وتبين نتائج التقرير أن استمرار الغموض لا يزيد معاناة الأسر فحسب، وإنما يشكل أولوياتها أيضاً. فقد جاءت معرفة الحقيقة في مقدمة هذه الأولويات، لأنها تمثل بالنسبة للأسر الخطوة الأولى للتعامل مع بقية الآثار التي خلفها الفقدان. فالوصول إلى معلومات موثوقة يساعد الأسر على اتخاذ قراراتها، وتنظيم حياتها، والتفكير في مستقبلها، ويهيئ الطريق للمطالبة بالعدالة وجبر الضرر.

  • الفقدان يعيد تشكيل حياة الأسرة ومسؤولياتها:

تمتد آثار الفقدان إلى الأسرة بأكملها، وتعيد توزيع أدوار أفرادها ومسؤولياتهم/ن. فمع استمرار الغموض بشأن المصير، تضطر كثير من العائلات إلى التكيف مع واقع جديد فرضه الفقدان، دون أن تمتلك المعلومات التي تساعدها على اتخاذ قرارات مستقرة بشأن مستقبلها.

وتكشف الشهادات أن النساء تحملن في كثير من الحالات مسؤوليات جديدة بعد فقدان الزوج أو الأب أو أحد أفراد الأسرة المعيلين، فأصبحن مسؤولات عن إعالة الأسرة، ورعاية الأطفال، وإدارة شؤون الأسرة، إلى جانب مواصلة البحث عن أحبائهن.

وتصف “رغدة” أثر اعتقال زوجها على حياتها اليومية بقولها:

 “أصبحت المسؤولة الوحيدة عن رعاية ثلاث بنات، وكانت أكبرهن تبلغ من العمر ثلاث سنوات فقط عند اعتقال والدهن.”

وفي الوقت نفسه، اضطر كثير من الأطفال إلى التكيف مع غياب أحد الوالدين أو كليهما، وما ترتب على ذلك من آثار في حياتهم الأسرية والتعليمية والاجتماعية. وتصف “روجين” هذه التجربة بقولها:

 “وُلدت ابنته بعد فترة قصيرة من اعتقاله، ونشأت دون أن تعرف والدها أو تراه.”

وتبين هذه الشهادات أن استمرار الفقدان يعيد تشكيل حياة الأسرة لسنوات، ويؤثر في القرارات المتعلقة بالتعليم والعمل وإدارة الممتلكات ورعاية الأطفال. كما توضح أن الاستجابة لاحتياجات الأسر ينبغي أن تراعي هذه التحولات، وأن توفر خدمات تساعدها على التعامل مع المسؤوليات الجديدة وتعزيز قدرتها على الصمود.

  • الفقدان يستنزف قدرة الأسر على الصمود:

تكشف الشهادات أن الآثار الاقتصادية للفقدان تتراكم بمرور الوقت، خاصة عندما يكون المفقود هو المعيل الرئيسي. فقد وجدت العديد من الأسر نفسها أمام انخفاض في الدخل أو فقدانه بالكامل، بالتزامن مع ارتفاع النفقات المرتبطة بالحياة اليومية أو بعمليات البحث عن المفقودين/ات.

وأشار عدد من المشاركين/ات إلى أنهم أنفقوا مبالغ كبيرة خلال سنوات البحث، سواء على التنقل، أو التواصل مع وسطاء، أو متابعة المعلومات المتداولة، كما تعرض بعضهم للاستغلال والابتزاز مقابل وعود بالكشف عن مصير أحبائهم/ن أو الإفراج عنهم/ن.

ويصف “دلو” هذا الواقع بقوله:

 “نشأ الأطفال في ظلّ غياب والدهم؛ معيلهم الوحيد، واضطرت عمتي وبناتها لتحمّل أعباء ومسؤوليات إضافية.”

وتشير هذه التجارب إلى أن استمرار الغموض يحول دون استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، لأن الأسر تبقى مضطرة إلى توزيع مواردها المحدودة بين متطلبات الحياة اليومية ومحاولات البحث عن الحقيقة، وهو ما يضعف قدرتها على الصمود مع مرور الوقت.

  • الغموض يترك الأسر أمام تحديات قانونية وإدارية مستمرة:

أظهرت الشهادات أن استمرار غياب المعلومات حول مصير المفقودين/ات يضع كثيراً من الأسر أمام تحديات قانونية وإدارية تؤثر بصورة مباشرة في حياتها اليومية، حيث تجد الأسر نفسها عاجزة عن تسوية أوضاع تتعلق بالأحوال الشخصية، أو الممتلكات، أو الحقوق المالية، بسبب استمرار الغموض بشأن الوضع القانوني للمفقود.

وتعبر “فاطمة” عن هذا الواقع بقولها:

 “غياب أي إثبات رسمي لوفاة عمي يُبقي لدينا أملاً دائماً بإمكانية أن يكون على قيد الحياة، وهو ما يجعلنا عاجزين عن إنهاء حالة الانتظار أو التكيف مع الواقع بصورة نهائية.”

ويكشف هذا الواقع عن معضلة تواجهها كثير من الأسر؛ فهي لا تريد التخلي عن الأمل، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى حلول قانونية تمكنها من إدارة شؤونها اليومية دون أن يمس ذلك حقها في معرفة الحقيقة أو حقوق الشخص المفقود.

وتؤكد نتائج التقرير أن تطوير استجابة فعالة لقضية المفقودين/ات يتطلب إجراءات قانونية وإدارية تراعي أوضاع الأسر، وتمكنها من إدارة شؤونها اليومية، مع الحفاظ على حقها في معرفة الحقيقة وصون حقوق المفقودين/ات.

 

  1. رحلة البحث عن الحقيقة:

تبدأ رحلة البحث عن الحقيقة بالنسبة لأسر المفقودين/ات منذ اللحظات الأولى لغياب أحبائها، حيث تواصل معظم الأسر البحث عن أي معلومة يمكن أن تقود إلى معرفة مصير أحبائها، مستخدمةً كل الوسائل المتاحة، رغم ما يرافق ذلك من تحديات ومخاطر وأعباء تستمر لسنوات.

ورغم اختلاف ظروف الاختفاء والجهات المسؤولة عنه، تكاد تجارب الأسر تتقاطع في وصفها لمسار البحث؛ إذ تنقل معظمها بين الجهات الرسمية، وسلطات الأمر الواقع، وأماكن الاحتجاز، والمستشفيات، والوسطاء، إضافة إلى الاعتماد على العلاقات الشخصية أو المعلومات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، لم تفضِ هذه المحاولات في كثير من الحالات إلى الحصول على معلومات موثوقة عن المصير.

ويختصر دليار هذا الواقع بقوله:

 “أريد أن أعرف الحقيقة، مهما كانت مؤلمة. معرفة المصير أفضل من البقاء في دوامة الانتظار والاحتمالات، لنا ولأسرته الصغيرة.”

وتعكس هذه الشهادة ما تكرر في معظم المقابلات؛ فبالنسبة للأسر، تكمن المعاناة الأساسية في استمرار الغموض أكثر من طبيعة الحقيقة نفسها.

  • البحث بلا مسار واضح:

تكشف الشهادات أن غياب جهة مرجعية واضحة أو آلية موحدة للبحث دفع الأسر إلى ملاحقة كل احتمال يمكن أن يقود إلى معلومة جديدة، بصرف النظر عن مدى موثوقيته. ومع مرور الوقت، أصبح البحث ذاته عبئاً مستمراً، يستهلك الوقت والجهد والموارد، دون أن يوفر إجابات تنهي حالة الانتظار.

يعكس هذا التشتت تعدد غياب التنسيق وتبادل المعلومات بين الجهات المعنية، الأمر الذي اضطر الأسر إلى تكرار الخطوات نفسها مع جهات مختلفة، من دون معرفة ما إذا كانت المعلومات التي تقدمها قد استُخدمت أو أسهمت في تقدم عمليات البحث.

  • غياب المعلومات يفتح الباب أمام الاستغلال:

أظهرت الشهادات أن غياب المعلومات الموثوقة عن مصير المفقودين/ات خلق بيئة استغلها بعض الأشخاص لتحقيق مكاسب مالية أو شخصية على حساب معاناة الأسر. فقد تلقى عدد من المشاركين/ات وعوداً بالكشف عن أماكن وجود أحبائهم/ن أو المساعدة في الإفراج عنهم/ن، مقابل مبالغ مالية أو خدمات مختلفة، دون أن تؤدي هذه الوعود إلى نتائج حقيقية.

كما دفعت ندرة المعلومات الموثوقة كثيراً من الأسر إلى التعامل مع أي معلومة بوصفها احتمالاً يستحق المتابعة، حتى عندما يكون مصدرها غير موثوق. وأسهم انتشار الأخبار غير المؤكدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الحالة، إذ كانت كل معلومة جديدة تعيد إنتاج الأمل، ثم الإحباط، عندما يتبين عدم صحتها.

وتبين هذه النتائج أن توفير معلومات دقيقة ومنتظمة للأسر لا يساعد فقط في كشف الحقيقة فحسب، وإنما يسهم أيضاً في الحد من الاستغلال والابتزاز، ويعزز ثقة الأسر بالجهات المعنية، ويحد من اعتمادها على مصادر غير موثوقة للحصول على المعلومات.

  • غياب التواصل يقوض الثقة:

توضح الشهادات أن معظم الأسر لا تتوقع الوصول إلى جميع الإجابات في وقت قصير، لكنها تتوقع أن تبقى على اطلاع بمجريات البحث والجهود المبذولة لكشف الحقيقة، حتى عندما لا تتوافر مستجدات بشأن المصير، إلا أن انقطاع التواصل، أو غياب المعلومات حول سير العمل، ترك لدى كثير منها انطباعاً بأنها مستبعدة من المسارات التي يفترض أنها تعمل من أجلها.

وفي المقابل، تشير الشهادات إلى أن التواصل المنتظم، حتى في غياب مستجدات حاسمة، يسهم في بناء الثقة ويخفف من شعور الأسر بالتهميش، لأنه يوضح ما أُنجز، وما يواجهه البحث من تحديات، والخطوات التالية المتوقعة.

  • الناجون شركاء في البحث عن الحقيقة:

تكشف شهادات الناجين/ات من الاحتجاز والإخفاء القسري أنهم يمتلكون معارف وخبرات يمكن أن تسهم في دعم جهود البحث عن الحقيقة وكشف مصير المفقودين/ات. فقد عايش كثير منهم ظروف الاحتجاز، وشاهدوا معتقلين آخرين، أو تنقلوا بين أماكن احتجاز مختلفة، أو اطلعوا على معلومات قد تساعد في فهم ما جرى داخل مراكز الاحتجاز أو تتبع مسارات نقل المحتجزين/ات.

ومع ذلك، لا تزال الاستفادة من هذه الخبرات محدودة، في وقت يواصل فيه كثير من الناجين/ات مواجهة آثار نفسية واجتماعية عميقة. ولذلك، فإن إشراكهم في جهود كشف الحقيقة ينبغي أن يستند إلى الموافقة الحرة والمستنيرة، وأن يتم في بيئة آمنة تراعي مبدأ “عدم إلحاق الضرر”، مع توفير الحماية والدعم اللازمين قبل المشاركة وأثناءها وبعدها.

 

  1. ما الذي تتوقعه أسر المفقودين/ات من أي استجابة مستقبلية؟

تكشف الشهادات أن احتياجات وأولويات أسر المفقودين/ات تشكلت على مدى سنوات طويلة من البحث، والانتظار، والتعامل مع آثار الفقدان في حياتها اليومية. ورغم اختلاف ظروف كل حالة، أظهرت الشهادات تقارباً واضحاً في الأولويات التي عبر عنها المشاركون/ات، وفي رؤيتهم/ن إلى ما ينبغي أن تتجه إليه الجهود الوطنية والدولية لمعالجة قضية المفقودين/ات.

وتبين نتائج التقرير أن الأسر لا تنظر إلى الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، والمشاركة باعتبارها مسارات مستقلة، وإنما تراها عناصر مترابطة لاستجابة واحدة تساعدها على معرفة مصير أحبائها، والتعامل مع آثار الفقدان، واستعادة حقوقها، ومنع تكرار الانتهاكات.

  • معرفة الحقيقة هي نقطة البداية:

تتقدم معرفة مصير المفقودين/ات جميع أولويات الأسر، وتشمل معرفة ما إذا كان الشخص المفقود على قيد الحياة، وأين يوجد، وما الذي جرى له، وتمتد إلى معرفة ظروف اختفائه، والجهة المسؤولة، ومكان وجود رفاته في حال وفاته، بما يتيح للأسرة إنهاء حالة الغموض التي عاشتها لسنوات.

وقد عبّر كثير من المشاركين/ات عن استعدادهم/ن لتقبّل أي حقيقة، مهما كانت مؤلمة، إذا كانت تنهي حالة الغموض وتوفر إجابة موثوقة حول ما جرى.

ويختصر “عبد القادر” هذا الشعور بقوله:

 “أريد أن أعرف ما إذا كان أخي حياً أو ميتاً. وحتى لو كان ميتاً، من حقنا دفنه بطريقة لائقة وقبر نزوره دائماً”.

وتكشف هذه الشهادات أن معرفة الحقيقة تمثل المدخل الذي يتيح للأسر التعامل مع بقية الآثار المترتبة على الفقدان، فهو يمنحها أساساً لاتخاذ قراراتها، ويساعدها على معالجة بعض الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي ترتبت على استمرار الغياب، ويفتح الطريق أمام المطالبة بالعدالة وجبر الضرر.

  • العدالة تعني المحاسبة وعدم التكرار:

تظهر الشهادات أن مطلب العدالة يحتل مكانة أساسية لدى أسر المفقودين/ات، ويرتبط بصورة مباشرة بمعرفة الحقيقة. فقد عبر المشاركون/ات عن قناعتهم/ن بأن كشف مصير المفقودين/ات يجب أن يترافق مع محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يضمن الاعتراف بما حدث، وإنصاف الضحايا، ومنع تكرار هذه الجرائم في المستقبل.

وفي هذا السياق، تقول سمية، التي فقدت زوجها في عام 2019 خلال معارك “الباغوز” بين قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش):

 “العدالة تقتضي حقّنا في معرفة الحقيقة وتقديم زوجي لمحاكمة عادلة، فإن ثبت أنه مذنب – وهو ليس كذلك – فليقضِ في السجن بمقدار جرمه، أما أن لا يعترف أحد بوجوده ولا يتم إعلان وجوده ولا تقديمه للمحاكمة فهو من أكبر الظلم.”

وتلخص هذه الشهادة فهماً واسعاً للعدالة لدى الأسر؛ فهي لا تقتصر على إصدار الأحكام القضائية، وإنما تشمل الاعتراف بوجود الضحية، وكشف الوقائع، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم إفلات المسؤولين من المساءلة.

كما يختصر مسرور هذا المطلب بقوله:

 “نريد أن نعرف أين أخي؟ كما يجب أن يتم محاسبة المتورطين بإخفائه.”

كما بينت الشهادات أن غياب المحاسبة يطيل معاناة الأسر، ويضعف ثقتها بإمكانية الوصول إلى الحقيقة أو تحقيق الإنصاف. وفي المقابل، تنظر الأسر إلى العدالة باعتبارها خطوة تساعد على استعادة الثقة بالمؤسسات، وتؤكد احترام حقوق الضحايا، وتسهم في منع تكرار الانتهاكات.

  • جبر الضرر يستجيب لواقع الأسر:

تكشف الشهادات أن جبر الضرر يمثل أولوية مهمة بالنسبة لأسر المفقودين/ات، وأنه يرتبط بالاعتراف بما تعرضت له الأسر من أذى، وبالاستجابة للآثار التي استمرت لسنوات نتيجة الفقدان.

وأوضحت الشهادات أن احتياجات الأسر تختلف من حالة إلى أخرى، لكنها تتقاطع في مجموعة من الأولويات، تشمل الدعم النفسي والاجتماعي، والمساعدة القانونية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، ومعالجة المشكلات الإدارية والقانونية التي ترتبت على استمرار غياب المفقودين/ات.

كما أشارت الشهادات إلى أن كثيراً من الأسر لا تنظر إلى جبر الضرر باعتباره تعويضاً مالياً فقط، وإنما تعتبره عملية أوسع تساعدها على استعادة جزء من الاستقرار الذي فقدته، وتعترف بما مرت به من معاناة، وتستجيب لاحتياجاتها الحالية والمستقبلية.

ويعبر حسين عن هذه الحاجة بقوله:

 “نحن لا نبحث فقط عن معرفة المصير، بل نحتاج أيضاً إلى من يقف إلى جانبنا بعد كل هذه السنوات من الانتظار والمعاناة، فقد كان أخي موظفاً حكومياً ويعتاش من راتبه القليل قبل أن يعتقله تنظيم داعش من منزله في العام 2017، وتفقد أسرته المعيل والراتب القليل الذي كانوا يعتاشون عليه.”

وتبين نتائج التقرير أن تصميم برامج جبر الضرر يحتاج إلى الانطلاق من احتياجات الأسر نفسها، ومراعاة تنوع أوضاعها، وإشراكها في تحديد أولويات الدعم، بما يضمن أن تكون هذه البرامج أكثر ارتباطاً بالواقع الذي تعيشه، وأكثر قدرة على تحقيق أثر ملموس في حياتها.

  • المشاركة شرط لنجاح الاستجابة:

تظهر نتائج تحليل الشهادات أن كثيراً من الأسر ترغب في أن تكون جزءاً من الجهود الرامية إلى معالجة قضية المفقودين/ات، وألا يقتصر دورها على تقديم المعلومات أو تلقي النتائج. فقد أكد المشاركون/ات أهمية الاستماع إلى آرائهم/ن، والاستفادة من تجاربهم/ن، وإشراكهم/ن في القرارات التي تمس حقوقهم واحتياجاتهم.

وأوضحت الشهادات أن الأسر تمتلك خبرات ومعرفة تراكمت خلال سنوات البحث عن أحبائها، والتعامل مع آثار الفقدان، والتواصل مع جهات مختلفة. وتمثل هذه الخبرات مصدراً مهماً لفهم التحديات التي تواجهها الأسر، وتحديد الأولويات، وتطوير استجابات أكثر ارتباطاً بالواقع الذي تعيشه.

  • استجابة متكاملة تقودها حقوق الضحايا:

تكشف مجمل الشهادات أن الأسر لا ترتب الحقيقة والعدالة وجبر الضرر والمشاركة وفق أولويات متنافسة، بل تنظر إليها بوصفها مكونات لاستجابة واحدة. فمعرفة الحقيقة تمنحها القدرة على مواجهة الواقع، والعدالة تعزز الثقة وتؤكد عدم الإفلات من العقاب، وجبر الضرر يساعدها على تجاوز الآثار الممتدة للفقدان، بينما تضمن المشاركة أن تستند السياسات والبرامج إلى احتياجات الضحايا أنفسهم/ن.

ومن ثم، فإن أي استجابة تتعامل مع هذه الحقوق بصورة مجزأة ستظل محدودة الأثر، في حين أن الجمع بينها ضمن إطار متكامل يشكل الأساس لمعالجة أكثر استدامة وإنصافاً لقضية المفقودين/ات في سوريا.

 

  1. الإطار الدولي للاستجابة لقضية المفقودين/ات:

تظهر نتائج هذا التقرير أن احتياجات وأولويات أسر المفقودين/ات تتقاطع مع المبادئ التي أرستها المعايير الدولية ذات الصلة بحقوق الضحايا، والاختفاء القسري، والعدالة الانتقالية. وتوفر هذه المعايير إطاراً يساعد الجهات الوطنية والدولية على تطوير سياسات وبرامج وآليات تستجيب بصورة أفضل لحقوق الضحايا وأسرهم/ن، وتدعم جهود كشف الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، والمشاركة.

وتقدم هذه المعايير مبادئ يمكن الاستناد إليها عند تصميم الاستجابات المتعلقة بقضية المفقودين/ات، بما يضمن احترام حقوق الضحايا وأسرهم/ن، والاستجابة لاحتياجاتهم/ن وأولوياتهم/ن، وإشراكهم/ن في الجهود المرتبطة بالقضية.

  • الحق في معرفة الحقيقة:

تؤكد المعايير الدولية حق الضحايا وأسرهم/ن في معرفة مصير المفقودين/ات، وظروف اختفائهم/ن، والجهات المسؤولة عن ذلك. ويشمل هذا الحق التزام السلطات باتخاذ جميع التدابير الممكنة للبحث عن المفقودين/ات، وجمع المعلومات المتعلقة بهم/ن، وحفظها وتحليلها، وإتاحة ما يمكن مشاركته مع الأسر بصورة منتظمة وشفافة.

وتنسجم هذه المبادئ مع ما أظهرته الشهادات، التي اعتبرت أن استمرار الغموض هو المصدر الرئيس لمعاناة الأسر، وأن الوصول إلى معلومات موثوقة يمثل الخطوة الأولى نحو معالجة بقية الآثار المترتبة على الفقدان.

  • الحق في العدالة والمساءلة:

تشدد المعايير الدولية على أن كشف الحقيقة ينبغي أن يترافق مع تحقيقات مستقلة وفعالة، ومساءلة المسؤولين عن الاختفاء القسري والانتهاكات المرتبطة به، وفق إجراءات قانونية عادلة تكفل حقوق جميع الأطراف.

ولا تقتصر أهمية المساءلة على معاقبة المسؤولين، وإنما تمتد إلى الاعتراف بما وقع، وإنصاف الضحايا، وتعزيز الثقة بسيادة القانون، والإسهام في منع تكرار الانتهاكات.

وتتوافق هذه المبادئ مع ما عبرت عنه الأسر، إذ ربطت بين معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة، واعتبرت أن أحدهما لا يكتمل دون الآخر.

  • الحق في جبر الضرر:

تنظر المعايير الدولية إلى جبر الضرر بوصفه عملية شاملة تستهدف معالجة الآثار التي خلفتها الانتهاكات على الضحايا وأسرهم/ن، ودعمهم/ن في استعادة حقوقهم/ن وتحسين أوضاعهم/ن. وتشمل هذه العملية تدابير متعددة، من بينها التأهيل، والدعم النفسي والاجتماعي، والتعويض، ورد الحقوق، والاعتراف بما وقع، وضمانات عدم التكرار.

وتؤكد هذه المعايير أن برامج جبر الضرر تكون أكثر استجابة عندما تنطلق من احتياجات الضحايا وأولوياتهم/ن، وتأخذ في الاعتبار تنوع أوضاعهم/ن والآثار المختلفة التي ترتبت على الفقدان.

وتنسجم هذه المقاربة مع نتائج التقرير، إذ أكدت الأسر أن احتياجاتها تختلف باختلاف ظروفها، وأن الاستجابة الفاعلة هي تلك التي تستند إلى تقييم هذه الاحتياجات، وتوفر دعماً متكاملاً يساعدها على استعادة قدر من الاستقرار بعد سنوات من الفقدان.

  • الحق في المشاركة:

تؤكد المعايير الدولية أن للضحايا وأسرهم الحق في المشاركة الفاعلة في تصميم وتنفيذ ومتابعة السياسات والآليات التي تمس حقوقهم/ن. ويساعد هذا النهج على تطوير سياسات وبرامج أكثر استجابة، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وبناء الثقة بين الضحايا والجهات المعنية.

وتشير هذه المعايير إلى أن المشاركة الفاعلة تتطلب توفير بيئة آمنة، وإتاحة المعلومات، واحترام آراء الضحايا، وإزالة العوائق التي قد تحول دون مشاركتهم/ن، مع مراعاة احتياجات الفئات الأكثر عرضة للتهميش.

وتنسجم هذه المبادئ مع ما عبرت عنه الأسر في هذا التقرير، والتي أكدت أن مشاركتها ينبغي أن تكون مؤثرة في تحديد الأولويات وصنع القرار، لا أن تقتصر على المشاورات الشكلية أو الرمزية.

 

  1. الاستنتاجات:

تكشف نتائج هذا التقرير أن قضية المفقودين/ات في سوريا تمتد إلى ما هو أبعد من البحث عن مصير الأشخاص المفقودين/ات، إذ تؤثر بصورة مستمرة في حياة أسرهم/ن، وتشكل واقعاً يومياً ينعكس على أوضاعها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية. وتبين الشهادات أن استمرار الغموض بشأن المصير يبقى العامل الأكثر تأثيراً في حياة الأسر، ويحدد احتياجاتها وأولوياتها بعد سنوات من الفقدان.

وتبين نتائج التقرير أن معرفة الحقيقة تمثل الأولوية الأولى بالنسبة لمعظم الأسر، لأنها تساعدها على إنهاء حالة الانتظار، وفهم ما جرى لأحبائها، واتخاذ قرارات تتعلق بحياتها ومستقبلها. كما تنظر الأسر إلى الحقيقة بوصفها الأساس الذي تنطلق منه جهود العدالة، وجبر الضرر، واستعادة الحقوق.

وتكشف الشهادات عن تحديات مستمرة ترافق أن رحلة البحث عن الحقيقة، من أبرزها غياب المعلومات الموثوقة، وضعف التواصل مع الجهات المعنية، وتعرض بعض الأسر للاستغلال والابتزاز. وتؤكد هذه النتائج الحاجة إلى آليات أكثر شفافية وتنسيقاً، تضمن تزويد الأسر بالمعلومات بصورة منتظمة، وتعزز ثقتها في الجهود المبذولة، وتحميها من الاستغلال.

كما يبين التقرير أن احتياجات الأسر تمتد إلى ما هو أبعد من معرفة المصير، وتشمل العدالة، وجبر الضرر، والمشاركة في تصميم وتنفيذ ومتابعة الجهود المتعلقة بقضية المفقودين/ات. وأظهرت الشهادات أن الأسر تمتلك خبرات ومعرفة تراكمت خلال سنوات البحث، ويمكن الاستفادة منها في تطوير السياسات والبرامج والآليات إذا أتيحت لها فرص المشاركة بصورة آمنة وهادفة.

وتؤكد مراجعة المعايير الدولية أن الأولويات التي عبرت عنها الأسر تنسجم مع مبادئ وحقوق معترف بها دوليًا، تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، ومشاركة الضحايا وأسرهم/ن. ويوفر هذا الإطار مرجعاً يساعد الجهات الوطنية والدولية على تطوير استجابات أكثر ارتباطاً باحتياجات الأسر وأولوياتها.

ويخلص التقرير إلى أن تطوير استجابة أكثر فاعلية لقضية المفقودين/ات في سوريا يتطلب وضع أسر المفقودين/ات في مركز الجهود الوطنية والدولية، والاستماع إلى تجاربها، والاستجابة لاحتياجاتها وأولوياتها، وإشراكها بصورة آمنة وفاعلة في جهود كشف الحقيقة، وتحقيق العدالة، وجبر الضرر.

 

  1. التوصيات:

استندت التوصيات الواردة في هذا التقرير إلى تحليل شهادات أسر المفقودين/ات والناجين/ات من الاحتجاز والإخفاء القسري، وتهدف إلى دعم تطوير استجابة وطنية ودولية أكثر فاعلية لقضية المفقودين/ات في سوريا، ترتكز على حقوق الضحايا، وتستجيب لأولوياتهم/ن، وتعزز جهود كشف الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، والمشاركة.

أولاً: إلى السلطات السورية
  • اعتماد قضية المفقودين/ات كأولوية وطنية، والتعامل معها باعتبارها قضية إنسانية وحقوقية تتطلب استجابة شاملة ومنسقة.
  • دعم عمل الهيئة الوطنية للمفقودين، وضمان استقلاليتها، وتوفير الموارد البشرية والمالية والفنية اللازمة لتمكينها من أداء مهامها بفعالية.
  • تسهيل وصول الجهات المختصة إلى السجلات والأرشيفات والمعلومات التي قد تساعد في كشف مصير المفقودين/ات، مع الحفاظ على الأدلة وضمان عدم إتلافها أو العبث بها.
  • مواءمة التشريعات والسياسات الوطنية مع المعايير الدولية المتعلقة بالمفقودين/ات والاختفاء القسري وحقوق الضحايا.
  • اتخاذ تدابير فعالة لحماية الضحايا والشهود وأسر المفقودين/ات، وضمان قدرتهم/ن على المشاركة والإدلاء بالمعلومات دون خوف من الانتقام أو التهديد.
  • تعزيز التعاون مع الهيئة الوطنية للمفقودين، والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، وهيئات الأمم المتحدة، ومنظمات المجتمع المدني، بما يسرّع الجهود المشتركة لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
ثانياً: إلى الهيئة الوطنية للمفقودين
  • اعتماد نهج قائم على حقوق الضحايا يضع احتياجات وأولويات أسر المفقودين/ات في مركز جميع السياسات والبرامج وآليات عملها.
  • ضمان مشاركة حقيقية وفاعلة وآمنة لأسر المفقودين/ات والناجين/ات في تصميم السياسات والبرامج، ومتابعة تنفيذها وتقييمها، بما يضمن أن يكون لمشاركتهم/ن أثر فعلي في صنع القرار، لا أن تقتصر على المشاورات أو التمثيل الرمزي.
  • إنشاء آليات واضحة وآمنة وشفافة لتلقي المعلومات من الأسر والناجين/ات، والتحقق منها، وحماية البيانات الشخصية وسرية المعلومات.
  • تطوير سياسة تواصل مؤسسية تضمن تزويد الأسر بمعلومات دورية وواضحة حول تقدم أعمال الهيئة، بما يعزز الشفافية والثقة.
  • تطوير برامج تراعي الاحتياجات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية لأسر المفقودين/ات، بالتنسيق مع الجهات المختصة.
  • تعزيز التعاون وتبادل المعلومات مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، والجهات الوطنية والدولية، ومنظمات الضحايا والمجتمع المدني، بما يدعم جهود البحث عن الحقيقة.
ثالثاً: إلى المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا
  • مواصلة تطوير آليات تضمن المشاركة الآمنة والهادفة لأسر المفقودين/ات والناجين/ات في جميع مراحل عمل المؤسسة.
  • تعزيز التنسيق وتبادل المعلومات مع الهيئة الوطنية للمفقودين، وهيئات الأمم المتحدة، ومنظمات المجتمع المدني، بما يحد من الازدواجية ويزيد من فاعلية الجهود.
  • الاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى روابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في تطوير آليات البحث والتواصل.
  • مواصلة تطوير آليات منتظمة للتواصل مع الأسر، وتزويدها بالمعلومات المتاحة حول تقدم أعمال المؤسسة، كلما كان ذلك ممكناً.
  • دعم تطوير قواعد بيانات ومنهجيات موحدة لإدارة المعلومات، بما يعزز كفاءة البحث والتحقق وتحليل البيانات.
  • مراعاة الاحتياجات النفسية والاجتماعية للمشاركين/ات عند جمع المعلومات أو إجراء المقابلات، وتوفير الإحالة إلى خدمات الدعم عند الحاجة.
رابعاً: إلى الأمم المتحدة والآليات الدولية
  • مواصلة دعم الجهود الرامية إلى كشف مصير المفقودين/ات، وتعزيز التنسيق بين مختلف الآليات الدولية المعنية بالقضية.
  • تشجيع تبادل المعلومات والتنسيق بين الآليات الدولية والوطنية بما يسهم في تسريع جهود البحث عن المفقودين/ات وكشف الحقيقة.
  • دعم بناء قدرات الهيئة الوطنية للمفقودين والمؤسسات الوطنية ذات الصلة، بما يمكنها من أداء مهامها وفق المعايير الدولية.
  • تشجيع اعتماد نهج يضمن المشاركة الفاعلة والآمنة للضحايا وأسرهم/ن في جميع المبادرات المتعلقة بقضية المفقودين/ات.
  • إدماج احتياجات وأولويات أسر المفقودين/ات في البرامج المتعلقة بالعدالة الانتقالية، وإصلاح المؤسسات، وبناء السلام، والتعافي المبكر.
  • دعم الجهود الرامية إلى حفظ الأدلة والمعلومات، وتعزيز التعاون الدولي في عمليات البحث وكشف الحقيقة.
خامساً: إلى المنظمات السورية والدولية
  • تطوير برامج التوعية حول مخاطر الاحتيال والابتزاز والمعلومات المضللة المرتبطة بقضية المفقودين/ات.
  • توسيع برامج الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني والاقتصادي المقدمة لأسر المفقودين/ات، بما يستجيب لاحتياجاتها المتغيرة.
  • دعم المبادرات التي تعزز مشاركة أسر المفقودين/ات في جهود المناصرة، وصنع السياسات، والتوعية العامة.
  • تعزيز التنسيق وتبادل الخبرات والمعلومات بين المنظمات العاملة في مجال المفقودين/ات، بما يسهم في رفع كفاءة الاستجابة.
  • تطوير برامج بناء القدرات لمنظمات الضحايا وأسر المفقودين/ات، بما يعزز قدرتها على المشاركة في الجهود الوطنية والدولية.
  • اعتماد مقاربات تراعي الفوارق بين الجنسين، واحتياجات الأطفال، والفئات الأكثر هشاشة، عند تصميم البرامج والأنشطة.
سادساً: إلى الجهات المانحة
  • توفير تمويل مستدام وطويل الأمد للبرامج المتعلقة بالمفقودين/ات، بما يضمن استمرارية الجهود وعدم انقطاع الخدمات المقدمة للأسر.
  • دعم منظمات الضحايا ومنظمات المجتمع المدني السورية، وتعزيز دورها في التوثيق، والمناصرة، وتقديم الخدمات.
  • تخصيص موارد لدعم خدمات الصحة النفسية، والمساعدة القانونية، والدعم الاجتماعي والاقتصادي لأسر المفقودين/ات.
  • دعم المبادرات المشتركة التي تعزز التعاون بين المؤسسات الوطنية، والجهات الدولية، ومنظمات الضحايا، بما يسهم في تطوير استجابة أكثر تكاملاً وفاعلية.

 

 للاطّلاع على التقرير كاملاً (17 صفحة) بصيغة PDF، يُرجى النقر على هذا الرابط:


لمزيد من المعلومات، يمكنكم/ن التواصل مباشرةً مع منصة أسر المفقودين/ات في شمال وشرق سوريا عبر:

  • الهاتف (واتس آب/سغنال): 009647510483382
  • أو عبر البريد الالكتروني: contact@mpfp-nes.org

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق اقرا المزيد