الرئيسية الأخباركوباني تحت الحصار: تدهور إنساني متسارع في ظل إغلاق الطرق وتقييد الوصول

كوباني تحت الحصار: تدهور إنساني متسارع في ظل إغلاق الطرق وتقييد الوصول

بواسطة editor
84 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

السبت 24 كانون الثاني/يناير 2026

تشهد مدينة كوباني الكُردية في ريف حلب الشرقي تدهوراً متسارعاً في الوضع الإنساني، نتيجة تطويقها عسكرياً من قبل قوات الحكومة السورية الانتقالية وعزلها الكامل عن محيطها الخارجي، مع إغلاق جميع الطرق المؤدية إليها، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). وقد أدى هذا الواقع، المترافق مع الاشتباكات العسكرية الأخيرة، إلى تقييد شديد في الوصول الإنساني ومنع دخول الإمدادات الأساسية، في ظل غياب ممرات آمنة أو آليات فعّالة لحماية المدنيين وضمان تدفق المساعدات.

ويتزامن ذلك مع موجات نزوح واسعة من القرى المحيطة بالمدينة، إضافة إلى نازحين ونازحات قدموا من مناطق الرقة والطبقة وعين عيسى هرباً من القتال وتدهور الأوضاع الأمنية، ما فاقم الضغط على مدينة تعاني أصلاً من محدودية الموارد والخدمات. وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن انقطاع الكهرباء والمياه والإنترنت يعيق وصول السكان إلى الخدمات الأساسية، بالتزامن مع بدء نفاد المواد الغذائية والأدوية، رغم استمرار عمل المرافق الصحية بقدرات محدودة للغاية.

وبذلك، لم يعد العزل المفروض على كوباني إجراءً أمنياً مؤقتاً، بل تحوّل عملياً إلى حصار شامل ينعكس مباشرة على حياة المدنيين ويقوّض قدرتهم على البقاء.

 

الوضع الإنساني والخدمات الأساسية:

الخبز والغذاء: سُجّل نقص متزايد في المواد الغذائية الأساسية، مع بداية نفاد المخزون لدى المحال والأسر، في ظل ضغط سكاني كبير ناتج عن موجات النزوح، فاق قدرة الأسواق المحلية المحدودة أصلاً. وقد اضطرت العديد من الأسر، المقيمة والنازحة على حد سواء، إلى اللجوء إلى آليات تكيّف سلبية، مثل تقليل عدد الوجبات اليومية أو تقاسم الغذاء بين عدة عائلات.

المياه: تعاني المدينة من انقطاع المياه منذ نحو أسبوع، نتيجة غياب الكهرباء اللازمة لضخها. وفي ظل هذا الانقطاع، لجأ السكان إلى جمع الثلوج وتذويبها وتخزينها في خزانات منزلية لاستخدامها كمصدر للمياه، في ممارسة قسرية تنطوي على مخاطر صحية جسيمة، خصوصاً على الأطفال وكبار السن.

الكهرباء: مقطوعة بشكل كامل منذ اندلاع الاشتباكات، ولم تتمكن حتى المنازل التي تعتمد على الطاقة الشمسية من الاستفادة منها بسبب العاصفة الثلجية وكثافة الغيوم، ما أدى إلى توقف شبه تام لمصادر الطاقة، وانعكس مباشرة على التدفئة، وضخ المياه، وتشغيل المرافق الصحية.

الإنترنت والاتصالات: مقطوعة كلياً عن المدينة، نتيجة قصف وتخريب أبراج اتصالات Rcell في منطقة صرّين، بما في ذلك البطاريات والمولدات الخاصة بالشبكة، إضافةً إلى تعرّضها للسرقة والنهب. ولا يتوفر حالياً سوى بديل محدود للغاية عبر شرائح eSIM الرقمية، التي تتيح الاتصال بشيكات خلوية لمشغّلين خارجيين. ويظل هذا الخيار محدود التغطية ومرتفع الكلفة ولا يمكن الاعتماد عليه على نطاق واسع. هذا الانقطاع يفاقم عزلة المدينة ويقيّد إمكانيات التوثيق، وطلب المساعدة، والتنسيق الإنساني.

الوقود والتدفئة: تعاني كوباني من شح حاد في الوقود ومواد التدفئة، نتيجة حصارها وعزلها عن مناطق الإمداد في الجزيرة السورية، ما فاقم الأزمة الإنسانية بالتزامن مع الانخفاض الحاد في درجات الحرارة، خاصةً بين الأطفال وكبار السن.

 

الوضع الصحي:

لا تزال المرافق الصحية القليلة المتبقية في المدينة تعمل، ولكن بقدرات محدودة جداً، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية. وأفادت الأمم المتحدة بوجود احتياجات طبية متزايدة، في وقت تعمل فيه منظمة الصحة العالمية وشركاؤها على توفير إمدادات طبية طارئة، وخدمات تغذية متنقلة، ورعاية منقذة للحياة للمصابين، والأطفال، والنساء الحوامل.

تشمل الاحتياجات الصحية العاجلة أدوية الأمراض المزمنة، وحليب الأطفال، ومستلزمات التدفئة داخل المرافق الصحية، إضافة إلى الوقود اللازم لتشغيل المولدات الطبية، ودعم كوادر الإسعاف والإحالة الطبية.

في هذا السياق، أُبلِغ عن وفاة خمسة أطفال، بينهم رضّع، نتيجة البرد الشديد، وفق ما أعلنه الهلال الأحمر الكُردي، في مؤشر بالغ الخطورة على هشاشة الوضعين الصحي والإنساني في المدينة. ولا يمكن فصل هذه الوفيات عن الحصار، أو عن انعدام وسائل التدفئة، أو غياب الإمدادات الأساسية، وهي تشكّل انتهاكاً واضحاً للحق في الحياة، ولا سيّما بالنسبة للأطفال.

 

النزوح وظروف النازحين:

تستقبل كوباني حالياً عشرات الآلاف من النازحين/ات من القرى المحيطة، إضافةً إلى نازحين ونازحات من الرقة والطبقة وعين عيسى هرباً من القتال وتدهور الأوضاع الأمنية. وصلت العديد من العائلات سيراً على الأقدام، وبعضها برفقة مواشيه، فيما اضطر آخرون إلى المبيت في المدارس والمباني العامة، أو في الشوارع وداخل جرارات زراعية، وسط ظروف جوية قاسية وتساقط الثلوج.

في المقابل، تكاد المساعدات الإنسانية تكون غائبة، فيما تبقى الملاجئ غير كافية، ومستويات الحماية منخفضة، مع نقص حاد في وسائل التدفئة والملابس الشتوية. كما أُبلغ عن حالات نهب لمنازل النازحين، ما يعمّق شعور الخوف وانعدام الأمان ويضاعف هشاشة الفئات الأشد ضعفاً، ولا سيّما الأطفال والنساء.

 

مخاوف عميقة وانعدام ثقة متجذّر:

تتصاعد مخاوف سكان مدينة كوباني، ومعظمهم من الكُرد، إزاء دخول القوات الحكومية إلى المنطقة في ظل غياب أي ضمانات فعلية لحمايتهم. ويعود هذا القلق إلى سجل طويل من الانتهاكات السابقة التي ما تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، وإلى تجارب موثقة في عفرين، ورأس العين/سري كانيه، إضافة إلى حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وصولاً إلى الواقع القائم في شمال شرق سوريا.

تؤكد هذه الوقائع أن الثقة لا يمكن أن تُبنى على التصريحات وحدها، بل تتطلب وقتًا وخطوات ملموسة تضمن حماية الحقوق دون تمييز، وتوفّر آليات واضحة للمساءلة ومنع الانتهاكات.

وتتفاقم هذه المخاوف رغم الإعلان عن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 15 يوماً، اعتباراً من مساء يوم 24 كانون الثاني/يناير 2026، إذ تشير المعطيات الميدانية والمؤشرات المتراكمة إلى هشاشة هذا الاتفاق واحتمالات انهياره، لا سيما في ظل غياب آليات واضحة وملزمة لحماية المدنيين، ما يحدّ من قدرته على منع تجدد العنف أو توفير حماية فعلية للسكان.

 

البعد الحقوقي والمسؤولية القانونية:

إن ما تتعرض له مدينة كوباني يشكّل انتهاكاً واضحاً لالتزامات القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، ولا سيما تلك المتعلقة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومنع استخدام الحصار كوسيلة للإضرار بالسكان المدنيين.

تقع المسؤولية القانونية المباشرة عن حماية المدنيين وضمان وصولهم إلى الخدمات الأساسية على عاتق الحكومة السورية الانتقالية، بما في ذلك ضمان حرية التنقل وفتح الطرقات، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وحماية الحق في الحياة، والصحة، والمياه، والغذاء، ومنع الانتهاكات، والتحقيق فيها، ومحاسبة المسؤولين عنها.

إن وفاة الأطفال بسبب البرد، واستمرار انقطاع الخدمات الأساسية، وعدم فتح ممرات إنسانية آمنة، تمثل إخفاقاً خطيراً في الوفاء بهذه الالتزامات، وقد ترقى إلى مسؤولية قانونية تستوجب المساءلة.

 

توصيات عملية وعاجلة:

في ضوء ما سبق، تُقدَّم التوصيات التالية بوصفها الحد الأدنى المطلوب للاستجابة العاجلة:

  • الوقف الفوري للتصعيد العسكري داخل مدينة كوباني ومحيطها، وضمان تحييد المدنيين والبنية التحتية المدنية.
  • الفتح العاجل لجميع الطرق المؤدية إلى المدينة، وتأمين ممرات إنسانية آمنة ودائمة بإشراف أممي.
  • إعادة الخدمات الأساسية بشكل فوري، بما في ذلك الكهرباء والمياه والاتصالات، وضمان حماية البنية التحتية من الاستهداف أو التخريب.
  • إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، وحليب الأطفال، ومواد التدفئة بشكل عاجل، ودعم المرافق الصحية بالوقود والمستلزمات الضرورية.
  • توفير استجابة إنسانية شاملة للنازحين، تشمل المأوى اللائق، والمواد الشتوية، والغذاء، وخدمات الحماية، مع إيلاء اهتمام خاص بالأطفال.
  • تمكين المنظمات الإنسانية المستقلة من الوصول الكامل وغير المشروط إلى المدينة، وضمان سلامة كوادرها.
  • فتح تحقيقات شفافة ومستقلة في جميع الانتهاكات، بما في ذلك وفيات الأطفال، ومحاسبة المسؤولين عنها.

كوباني اليوم ليست مجرد مدينة محاصَرة، بل مثال حي على كيف يمكن لتقييد الوصول والتصعيد العسكري أن يتحولا بسرعة إلى كارثة إنسانية وحقوقية. إن استمرار هذا الوضع دون تدخل عاجل وجاد سيؤدي إلى مزيد من الخسائر في الأرواح، ويقوّض أي ادعاء بحماية المدنيين أو الالتزام بمسار انتقال سياسي مسؤول.

وكانت رابطة تآزر للضحايا قد نشرت بتاريخ 23 كانون الثاني/يناير 2026 إحاطة حقوقية بعنوان «انعدام الثقة والخوف من الانتهاكات: رفض شعبي واسع لدخول القوات الحكومية إلى الحسكة وكوباني»، وثّقت فيها التصعيد العسكري وتداعياته الإنسانية والأمنية، وما يرافقه من موجات نزوح واسعة وانتهاكات جسيمة.

وتأتي هذه الإحاطة استكمالاً وتحديثاً لتلك المعطيات في ضوء التطورات اللاحقة، مع اتساع رقعة النزوح وتصاعد المخاوف المجتمعية وتزايد المؤشرات على ممارسات عقابية تمسّ المدنيين بشكل مباشر.

يمكنكم/ن تنزيل الإحاطة والاطلاع عليها كاملةً من خلال الضغط على الرابط.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق اقرا المزيد