الرئيسية بيانات صحفيةبيان روابط ميثاق الحقيقة والعدالة: حول ما تبدّى من مشهد العدالة الانتقالية في سوريا

بيان روابط ميثاق الحقيقة والعدالة: حول ما تبدّى من مشهد العدالة الانتقالية في سوريا

بواسطة editor
25 مشاهدة هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

تابعت روابط “ميثاق الحقيقة والعدالة” باهتمام التطورات المرتبطة بإنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا. الخطوة التي شكّلت في بدايتها أملاً لملايين السوريين والسوريات في إرساء سيادة القانون، وإصلاح مؤسسات الدولة، وترقية الإطار القانوني الوطني، وكشف مصير المفقودين-ات داخل سوريا وخارجها، ومساءلة ومحاسبة مُرتكبي الانتهاكات وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ومنع تكرارها في مستقبل البلاد، ومحاربة الإفلات من العقاب.

إلا أن هذا الآمال تآكلت تدريجياً خلال الأشهر الماضية؛ حيث ظهرت مسالك وتحديات وممارسات أثارت قلقاً جدياً بشأن قدرة الهيئة على إنجاز الوعود المعقودة عليها في ظل التحديات الهيكلية والسياقية القائمة اليوم. فقد رصدنا بقلق سعي الهيئة المُتعثر للانطلاق في بيئة عمل لا تشجع -سياسياً وإدارياً- الاستقلال وروح المبادرة الضروريين لفتح مسارات عمل استراتيجية مثمرة وجامعة وغير تمييزية. ذلك أن تدخلات مباشرة من وزارتي الخارجية والعدل وتداخلات هيكلية مع هاتين الوزارتين، تضغطان على عمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وتحدان من قدرتها على تطوير منظور مُستقل ومنفتح في العدالة الانتقالية؛ كما تؤثر هاتان الوزارتان في أولويات مسارات العدالة الانتقالية، وتكبحان مساعيها في بناء منظور أكثر اتساعاً وشمولاً للعدالة في سوريا.

ولعلّ خير مثال يبرر قلقنا من التدخل الحكومي في أولويات ومسارات العدالة الانتقالية هو المسارعة مؤخراً إلى إجراء محاكمات لمتورطين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دمشق. إذ يُقصي هذا المسلك الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ويفتتح مساراً قضائياً ينقصه الإطار القانوني الملائم، كما يهمل تهيئة وتعبئة القطاعات الاجتماعية والتخصصية ذات الصلة. إن ضرر هذا المسلك، الذي تقوده وزارة العدل، لا يقف عند حد الاستثمار السياسي الآني والتسكيني في حقوق السوريين والسوريات الثابتة في مسارات مساءلة ومحاسبة مهنية وناضجة ومفضية إلى أوضاع أكثر عدلاً وكرامة في ظل سيادة قانون شاملة، بل يتعداه إلى ابتذال مثال العدالة الانتقالية ذاته، وتفتيت دوره المأمول في نقل المجتمع السوري إلى أوضاع أكثر استقراراً وأمناً.

كما أن بعض التسويات مع مُرتكبي وداعمي الفظائع في سوريا تُثير الخشية من احتمالات تقويض أسس العدالة الشاملة لصالح اعتبارات سياسية آنية؛ في حين أن استمرار الاعتماد على البنى القانونية والمؤسساتية النافذة بصيغتها الحالية، ودون مراجعة جذرية للمنظومة القضائية، يضعف فرص التأسيس لمسار انتقالي يستجيب لما ارتكب من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كما يعيد إنتاج مسببات النزاع بدل تفكيكها.

نُسجل أيضاً خشيتنا من استمرار غياب معايير واضحة ناظمة لعمل الهيئة، وضامنة لاستقلالها الإداري والمالي، وعدم وضوح آليات المراقبة والمحاسبة والتقييم وقياس الرضى، كما من غموض آليات اتخاذ القرار والتعيين داخلها رغم استمرارها في تعيين كوادر جديدة. إن استمرار مثل هذه الممارسات سيجعل من الهيئة ساحة دائمة لتجاذبات مراكز القوى الإدارية والسياسية، بدلاً من أن تكون إطاراً وطنياً مستقلاً يلبي للسوريين-ات مطالبهم وحقوقهم في الحقيقة والعدالة وسيادة القانون وتجنب تكرار الفظائع.

يُسجَّل كذلك غياب مشاركة شاملة وفاعلة للضحايا في تصميم المسار، بما يشمل صياغة الرؤى وخطط العمل وآليات التنفيذ، حيث تبدو المشاركة الحالية محدودة ولا تعكس تمثيلاً شاملاً لمختلف فئات الضحايا ومختلف الانتهاكات ومختلف أطراف الصراع، مما يهدد بإنتاج عدالة انتقائية.

وتتفاقم مخاوفنا هذه مع تراكم المؤشرات على تبنّي مسالك اقتصادية وسياسية عامة لا تساعد في إنفاذ برامج جدية شاملة للعدالة الانتقالية في سوريا؛ إذ تكاد تحصر العدالة الانتقالية في فهم فوقي وتقني، قانوني وإجرائي، صرف، فيما تعزلها عن شروطها الاجتماعية والاقتصادية الكلية، ما يمكن أن يضعف قدرة قطاعات واسعة من السوريين-ات على التفاعل معها والاستفادة من مساراتها، كما يمكن أن يخلّ بمبدأ الشمول وعدم التمييز في ما يخص حقوق الضحايا وإنصافهم.

وعليه، نؤكد على ما يلي:

  • ضرورة صياغة استراتيجية وطنية شاملة ومستقلة وغير تمييزية للعدالة الانتقالية تُبنى على الحق في المعرفة والحق في إرساء العدل.
  • ضرورة ضمان الاستقلال المؤسسي الكامل للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بما في ذلك استقلالها المالي والإداري، وهذا يتطلب فك التداخل الهيكلي بين الهيئة وأية جهة حكومية، ووقف أي محاولات تدخل أو تأثير بعملها وخططها وسياساتها من قبل أي جهات حكومية أو سياسية.
  • ضرورة أن تطرح الهيئة وتعلن نظاماً داخلياً ينص على معايير واضحة وشفافة ناظمة لعملها، وآليات صناعة واتخاذ القرار فيها، ومسائل التعيين، وآليات المراقبة والمحاسبة والتقييم وقياس الرضا، وقياس مدى الاستقلالية الفعلية.
  • ضمان مشاركة حقيقية وفاعلة لجميع فئات الضحايا دون تمييز بناءً على اختلاف وتباين الجهات المنتهكة.
  • الالتزام بمبدأ الشمول وعدم التمييز في إنصاف الضحايا ومساءلة الجناة.
  • إطلاق إصلاح قضائي جاد يضمن المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
  • إدماج الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية ضمن مسار العدالة الانتقالية.
  • ضمان مشاركة النساء بشكل فعّال ومؤثر في جميع المستويات.
  • رفض أي تسويات تُستخدم بديلاً عن المساءلة أو تؤدي إلى الإفلات من العقاب.

 

1 أيار/مايو 2026
روابط ميثاق الحقيقة والعدالة

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق اقرا المزيد